حين عاشت السينما داخل البيوت

حين عاشت السينما داخل البيوت
حين عاشت السينما داخل البيوت
حين عاشت السينما داخل البيوت
عمرو قابيل

لم تكتفِ السينما بأن تطرق أبواب البيوت، بل دخلت واستقرّت، واختارت لنفسها أماكن ثابتة في الذاكرة والوجدان، لم تأتِ كضيف مؤقت، بل كقريب يعرف مفاتيح المكان، ويشارك في صياغة الحكاية. ومع تكرار المشاهدة، تحوّلت البيوت التي رأيناها على الشاشة إلى مرجع صامت نقيس عليه بيوتنا الحقيقية، أحياناً بوعي، وغالباً من دونه.
صنعت السينما بيوتاً كثيرة، حمل كل بيت منها نموذجاً مختلفاً للأسرة؛ فهذا بيت الأب الصارم الذي لا يخطئ، وذاك بيت الأم التي تتحمل الجميع حتى الانكسار، بيت يضجّ بالخلافات كأنها قدر يومي، وبيت ينهار بصمت دون صراخ...
بيوت لم تكن مجرد ديكورات، بل أنظمة حياة كاملة، دخلناها مراراً، وحفظنا قوانينها دون أن نوقع على أي عقد.
في أفلام مثل (أبو البنات)، (إمبراطورية ميم)، (أم العروسة)، (عائلة زيزي)، أو حتى نماذج سينمائية أحدث مثل (678) و(هيبتا)، لم تكن الأسرة خلفية درامية، بل كانت البطل الحقيقي: بيت يدار بالمحبة، وآخر بالخوف، وثالث بالصمت، ورابع بالإنكار...
ومع الوقت لم نعد نشاهد هذه البيوت فقط، بل بدأنا نصدّق أن هذا هو الشكل الطبيعي للعائلة، أو على الأقل الشكل الأكثر شيوعاً.
خطورة السينما لا تكمن فيما تقوله صراحة، بل فيما تُطبّعه بهدوء، حين يتحول الصراخ إلى لغة معتادة، والخيانة إلى عقدة درامية متكررة، والغياب الأبوي إلى أمر مفهوم، يصبح المشاهد متواطئاً دون أن يشعر؛ لا لأن السينما كذبت، بل لأنها اختارت زاوية واحدة وكررتها حتى صارت مألوفة.

أعزائي القراء، اسمحوا لي أن ألتقي بكم من خلال هذه السلسلة التي لا تسعى لإدانة فيلم أو تمجيد آخر، بل لمحاولة فهم العلاقة المعقدة بين البيت والصورة. سنسأل معاً:
كيف عاشت السينما داخل هذه البيوت؟
أي بيوت قدّمتها ك"بيت عز"؟
وأيها زرعت الخوف، أو الشك، أو الهشاشة باسم الدراما؟
هذه السلسة لا تناقش كيف أثرت الأسرة في السينما، بل بالعكس تماماً؛ سنرى كيف عاشت السينما داخل البيوت، وكيف أعادت ترتيب الأدوار، وتعريف الأبوة، وتلوين صورة الأم، وتشكيل وعي الأبناء بالحب والخلاف والسلطة والانفصال...
نحن لا نقف أمام الشاشة كمتفرجين، بل ندخل البيوت واحداً واحداً، نراقب التفاصيل، ونصغي للصممت، ونقرأ ما بين المشاهد...
ويهمني أن أشارككم كيف اخترت هذا الاسم عنواناً لهذه السلسة من المقالات بـ"بيت العز يا سينما"؛ وهو كما يدرك معظمكم بالطبع مستلهم من أغنية عاشت في الوجدان المصري والعربي، وهي أغنية (بيت العز يا بيتنا)، والتي تغنت بها صاحبة الصوت الساحر الفنانة الكبيرة الراحلة فايزة أحمد، ضمن أحداث فيلم من أنضج معالجات السينما للعلاقات الأسرية بدون ميلودراما زائفة أو شعارات جوفاء، وهو فيلم (أبو البنات).
فالمخاطب هنا ليس البيت، بل السينما نفسها؛ ليس تحية، بل سؤال؛ وليس حنيناً، بل مساءلة.
هل أصبحت السينما بيتاً بديلاً؟ وهل ما قدمته من بيوت كان عزاً حقيقياً، أم صورة جذّابة لارتباكٍ أعمق؟!
أسئلة كثيرة تجول في خاطرنا جميعاً، سنبدأ في طرحها والبحث عن إجابات لها من خلال هذه السلسلة، والتي أنتهز الفرصة هنا لأعبر عن امتناني العميق، وأن أتشرف بتقديم خالص الشكر والتقدير إلى قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، حفظها الله، لما تبذله من جهود رفيعة في دعم الثقافة والفنون والإنسان، وللأديبة والشاعرة الأستاذة صالحة غابش على تشريفي بمنحي هذا الفضاء الأدبي والفكري الذي ألتقي فيه معكم لنطرح معاً أفكارنا ونعيش معاً داخل بيوت سينمائية تفيض بالحكايات والذكريات والأفكار.
ففي كل مقال قادم، سندخل بيتاً سينمائياً مختلفاً، سندخله كما هو، بلا أحكام مسبقة ولا مجاملات فنية؛ سنرى من يسكنه، ومن غاب عنه، ومن صرخ، ومن صمت...
سنجلس في غرفة المعيشة، نراقب الحوار، ونصغي لما يقال..
سنفكك العلاقات لا المشاهد، ونبحث عن الأثر لا التقييم.
لأن البيوت، سواء كانت حقيقية أو سينمائية، لا تُعْرَف من واجهتها، بل مما يحدث خلف الأبواب المغلقة.
لذلك سنكون معاً في محاولة دائمة لفهم كيف عاشت السينما بيننا، وكيف تركت أثرها في البيت، وفي العائلة، وفي المجتمع.
فهدفنا ليس إدانة الفن أو مدحه، وليس نقده أو فرضه، بل فهم مسؤوليته؛ لأن الصورة حين تتكرر تتحول إلى وعي، والوعي حين يترسخ يصنع مجتمعاً كاملاً.

فمن هنا تبدأ الحكاية...
بيت العز، كما عاشته السينما.

التعليقات