تأملات كريمة ..لحظةٌ.. بحجم وطن
العدد 166 - 2026
الكتاب الذي بين أيدينا ما هو إلا نتاج تجربة شخصية أصيلة، وهو كتاب ممتع وشيق ومفيد لكل قارئ (وبخاصة الجيل الشاب الذي لم تكتمل ولم تنضج بعد تجربتهم الحياتية)؛ إذ إنّ مؤلفة الكتاب كانت تفكر بالانتحار بسبب فقدانها لمعنى الحياة، وكانت تعطي للموت معنى حقيقياً، ولكنها تراجعت عن ذلك بعد أن أدركت أنّ للحياة معنى عبر الفلسفة، وهي ترى أنّ الرغبة في العيش أو الرغبة في الموت لا ترتبط بما لحياتنا من ظروف خاصة بقدر ما ترتبط بالنظرة التي يحملها كل منا عنها أي موقفنا ورؤيتنا للحياة أو الموت. وههنا على وجه التحديد توجد حريتنا.
ترى المؤلفة أنّ الموقف الأفضل أمام المعاناة هو أن يتركها الإنسان وأن يشعر بها بلا تحفظ، وأن يتقبل وجودها فيه، فمثل هذه الاستجابة للمعاناة التي تلازم الحياة في حركة تطورها هي في واقع الأمر انفتاح على الفرح؛ لأنّ كل موت يفضي إلى انبعاث جديد.
وحول موضوع السعادة ترى المؤلفة أنّ هناك أموراً يظنها الإنسان جالبة للسعادة، بينما هي أمور عرضية وزائلة يمكن أن نسميها السعادة الزائفة كمثال أن نكتفي بصرف يومنا في أكل الشوكولاته والرقائق قد نحصل على المتعة في حينها، لكن ذلك لن يجلب لنا السعادة لأنه، عاجلاً أم آجلاً سيعترض الجسد وستتدهور الصحة.
وتضيف أنّ ثمة نوعاً من السعادة تقوم بالنسبة لنا مقام الرداء، كالسعادة الآتية من الميراث أو الفوز باليانصيب، لأنها ترتبط بالمصادفات، لكن السعادة التي ترتبط بقوانا الخاصة تكون على العكس من ذلك مدمجة فينا. وحول موضوع التواضع والتكبر تشير إلى أنّ التواضع الحقيقي يتمثل في النظر إلى خصائص الغير من جهة كونها ما نفتقر إليه، وإلى عيوبنا الخاصة وثغراتنا من جهة اهتدائنا بالآخر، وفي تعلم كيفية معالجتها ورأبها، بالإضافة إلى ذلك إذا كان المتكبر لا يتقدم فلأنه راضٍ عن نفسه. أما المتواضع فيشعر -على العكس من ذلك – بحدوده ونقائصه، التواضع إذن هو أيضاً قوة تمنحنا الإرادة للتقدم لأن إدراكنا لحدودنا في أول الأمر يجعل لدينا القدرة على الرغبة في تجاوزها لاحقاً، وتبعاً لذلك تكون جرعة معينة من التواضع ضرورية لتقبل الآخر وتجاوز الذات.
وتقول في مجال العلاقة مع الآخرين: إنّه مع فقدان المثل الأعلى يصيب الوهن العلاقة مع الآخر أكثر فأكثر، ومن ثم ينبت الفرد أكثر فأكثر، وهو ما لا يعينه على منح الوجود معنى. إنّ فتور الصلات الاجتماعية لا يتيح أبداً الإحساس بوجود مكان وسط الآخرين، ويثير التفكك الاجتماعي حتى يصير انسحاباً أمام الحياة عموماً، بعبارة أخرى تنجم الانتحارات أكثر فأكثر عن هذا الشعور بعدم الجدوى وبالهوية الاجتماعية الكاذبة.
وتركز المؤلفة على أنه عندما لا يجد المعنى الذي نعطيه للحياة نقطة ترسخه إلا ضمن دائرة حياتنا الشخصية فإنّ هذا المعنى يكون مرتكزاً على الجزء العرضي من كينونتنا، وهكذا فما إن يحدث انقلاباً في حياتنا (موت قرين، طفل، فقدان وظيفة، أو تعلق الأمر باشكال صحي خطير، إلى غير ذلك) حتى نصير على درجة من الاهتزاز نعجز معها عن إيجاد دلالة لوجودنا، ويتملكنا الشعور بالتعاسة.
حتى لا يكون المعنى الذي نعطيه لحياتنا عابراً، يجب أن يتجذر ضمن ما هو أكثر عمقاً فينا، إذا لم أكن أرغب كذلك في أن تفقد الحياة معناها يتوجب علي أن أستأنف هذه المسيرة نحو الخير، هكذا سيتوجب علي أن أكابد لإعادة بناء حياتي وإعادة بناء المعنى، مع العلم أنّ الشيء الوحيد المستمر داخلي ويجعل مني كائناً إنسانياً هو الرغبة في الخير.
وترى أنّ التسلية من أعظم أشكال بؤسنا، ويعزى هذا إلى كونها تمنعنا بالدرجة الأولى من تفكر أنفسنا، وتضيعنا من دون أن نشعر، كما أنّ حباً حقيقياً للذات يرفق عادة بانضباط ذاتي وقدرة على الصراع ضد كسلنا الفطري الذي يجعلنا ننزع على نحو طبيعي إلى ناحية لين العيش.
وتشيد المؤلفة بالحكمة باعتبارها أسمى تعبير عن حب الحياة، والإنسان الحكيم هو إنسان سعيد لأنه يحقق الشيء الوحيد الذي يمنح وجوده معنى، يعني أن يحبه؛ إذ إنّ إثبات حياتنا، سعادتنا، نمائنا وحريتنا، يتجذر في قدرتنا على الحب.
وحول العلاقة الجدلية بين الوجدانية والعقلانية تقول بأنهما لا تتعارضان بل على العكس تماماً، يجعلهما تمايزهما متكاملتين، تتغذيان إحداهما من الأخرى، كمثال على ذلك نجد أنه بينما تنزع العقلانية الخالية من الشحنة الوجدانية إلى أن تصير منطقاً بارداً وتكون علة أخطاء الحكم، يستطيع الوجدان الخالي من الشحنة العقلانية أن ينزاح بكل سهولة نحو الإفراط ويصير انفعالياً، ويترتب على هاتين الحالتين ضياع الحرية، فيما يتعلق بالحقيقة لا يوجد واقع إلا عند إنسان تكون أفكاره محسوسة وأحاسيسه مفهومة، كما أنّ خطاب الفيلسوف الذي لا يعنى بأي انفعال إنساني هو خطاب خاوٍ، مثلما أنّ الطب يكون عديم الفائدة طالما أنه لا يعالج أمراض الجسم، فإن الفلسفة تكون كذلك بلا جدوى إذا لم تبدد انفعال النفس.
وحول العلاقة بين الجهل والتعاسة تؤكد المؤلفة مع سقراط وكل الفلسفات الهيلنستية على مسألة أساسية ألا وهي أنّ البشر غرقوا في البؤس والقلق والشر بسبب الجهل، فالشر لا يوجد ضمن الأشياء بحد ذاتها، إنما ضمن أحكام القيمة التي يحملها الناس عن الأشياء، يتعلق الأمر إذن بمعالجة البشر من خلال تغيير أحكامهم القيمية - كما مر معنا في المقدمة.
التعليقات