تأملات كريمة .. نصف حلوى.. وقلب كامل
العدد 165 - 2026
مؤخّراً.. أدمنت كريمة مشاهدة ذلك النوع من المقاطع التي يسمونها "تجارب اجتماعية"، بشكل خاصّ ذلك النوع الذي يستهدف الفقراء.. ينبش الخير في النفوس، ويخرج الشهامة الصامدة رغم بشاعة الظروف.
يقترب المُصوِّر من رجلٍ فقير يجلس على الرصيف، يتنكر في هيئة محتاج ويخبره أنه جائع، أو أنه بحاجةٍ إلى بعض المال، ورغم حاجته المُلِحّة إلى ما يُطلَب منه، لا يتردد في فتح الكيس واقتسام الخبز أو ما معه من مالٍ يسير. تتعدد المشاهد، وتبقى الروح الكريمة سيّدة الموقف غالبًا.
تبتسم كريمة مع كل مقطع، ودمعة كبيرة معلَّقة في طرف عينها.. ليس لأن الفقر جميل، بل لأن القلوب الكبيرة تُربك الحسابات والمنطق دائمًا: كيف يجتمع المال القليل.. مع العطاء الكثير؟ قد يكونون فقراء في الجيوب، لكنهم أغنياء بما يكفي ليجعلوا العالم أجمل!.
يقطع عليها مشاهدتها صوتٌ غاضبٌ من المقهى.. سرعان ما تفهم السبب: النادلة فهمت الطلب خطأ فجاءت بقهوة على غير ذوق الزبونة. تتفحصُ كريمةُ المرأةَ الغاضبةَ.. امرأة أنيقة، يبدو عليها الثراء من حقيبتها وساعتها وطريقتها في الجلوس. تعتذر النادلة بمهنية.. لكن صوت المرأة يستمر في الارتفاع.. كلمات حادة، ونبرة استياء مبالغ فيها، وكأن الخطأ لم يكن مجرد كوب قهوة بل خسارة صفقةٍ بملايين.
فجأة تحول عقلُ كريمة إلى شاشة عرض.. تكررت في ذهنها صور تلك المقاطع.. الرجل الفقير على الرصيف بيده الممدودة بحبّ.. ذاك الذي اقتسم خبزه مع غريب دون أن يسأل عن السبب، أو يشكّ في النية، أو يخشى الجوع.. ابتسامة تلك العجوز وهي تحمل فوق ظهرها المنحي أكياس القمامة التي تزيده انحناءً.. لكنها لا تسلب منها خفّةَ الروح.
ثم ألقى عقلها سؤالًا كبيرًا:
هل الفقر فقر الجيب.. أم القلب؟ ما الذي منح أولئك المحتاجين تلك الحالة من الصفاء والجمال؟ هل لأن الحياة جردتهم من كل الزوائد.. فلم يبقَ لهم إلا ذلك القلب، فحاوطوه بالاهتمام والرعاية والتزكية؟ أم أن روحهم بقيت خفيفةً نقيّةً لأنها لم تُثقَل بالمظاهر والزيف؟
لم تحكم كريمة على المرأة، ولم تُقدّس الفقير. كانت تعرف أن في كل طبقة إنسانًا جميلًا وآخر متعبًا، لكنها أدركت شيئًا واحدًا بوضوح: قد تضيق الروح رغم اتساع الحياة.
حين غادرت كريمةُ المقهى، حرصت على أن تمرّ بجانب النادلة. ابتسمت لها وربّتت على كتفها بهدوء.. تربيتةً سريعة لكنها كانت كافية ليبرق الامتنان في عينَي النادلة وتبتسم ابتسامة واسعة.. فكّرت كريمة: عطاءٌ آخر لا يحتاج إلى مال.. أولئك الفقراء الجميلون لم يبخلوا بآخر ما يملكون من مال.. لماذا نبخل نحن بما لا يكلفنا شيئًا؟
حين عادت كريمة إلى البيت، وجدت ابنها يفرغ محتويات حقيبته المدرسية على الطاولة…
دفاتر، ألوان، وقطعة حلوى نصف مأكولة. أوْضَحَ بعفويّة: "شاركتُ صديقي في الحلوى؛ لأنه نسي مصروفه اليوم".
شعرت كريمةُ بقلبها يتراقص.. تمالكت نفسها.. لم تسأله لماذا، ولم تُلقِ درسًا عن الكرم،
فبعض الدروس حين تُشرح تموت.. اكتفت بتأمل وجهه الصغير بحبّ، وفكرت: هكذا تبدأ القلوب الواسعة.. بنصف حلوى، وعطاء يسبق الحسابات.
إنها لا تخاف الآن من أن يعيش ابنها فقيرًا، بل من أن يعيش بقلبٍ فقير.
وحين كانت عينها تغفو ليلًا.. كان آخر ما تفكر فيه: أَعْطِ واستمرّ في العطاء.. حتى تمتلئ!
التعليقات