الفنان التشكيلي عمر عبد الرازق.. ريشة لم تكسرها الأيام

الفنان التشكيلي عمر عبد الرازق.. ريشة لم تكسرها الأيام
الفنان التشكيلي عمر عبد الرازق.. ريشة لم تكسرها الأيام

بدأت رحلة حياته الحافلة بمدينة نيالا، إحدى مدن دارفور الكبرى بغرب السودان، والتي انتقلت إليها أسرته الصغيرة بسبب ظروف عمل والده التي كانت تحتم عليه الانتقال عبر مدن السودان المختلفة. وكانت محطته الأخيرة نائبًا لمحافظ مديرية جنوب دارفور لعدة سنوات، وصفها الفنان عمر عبد الرازق بأنها كانت أجمل أيام العمر وأكثرها إثارة. عاش فيها طفولة أشبه بالأحلام وسط الطبيعة البكر التي تشتهر بها المنطقة، كان يراها جنة الله على الأرض. وهو يتجول مع رفاقه بين غابات الدوم والدليب والعرديب، يستمتعون بالفضاء الرحب الممتد إلى مدى النظر، يمارسون هواية صيد الطيور بوسيلة بدائية كانوا يصنعونها بأنفسهم، يطلق عليها اسم "نبله". ومن هنا التقط تفاصيل الأشياء المجردة من صناعة يد البشر، ونسج الفن أولى خيوطه وسيطر على غريزته التي انطلقت لتملأ الدنيا من حوله ضجيجًا وإبداعًا نقش في مخيلته ولم يبارحها إلى يومنا هذا.

الفنان التشكيلي عمر عبد الرازق.. ريشة لم تكسرها الأيام

في تلك الفترة التي شب فيها، لم يحل دون موهبته أي حائل ليقف معطلًا لها. فلا خيار للمبدع إلا أن يكون حاملًا صفة التمكن ليثبت وجوده ويرضي ذائقة المتلقي. وهذا ما استطاع أن يملك ناصيته الفنان عمر، مستندًا إلى ذخيرة مخزونة. فبدأ يبرع في رسم الطبيعة وما تضمه من غابات وحيوانات. وساعده على ذلك أنه كان قارئاً نهماً لمجلات الكوميكس، متعلقًا تحديدًا بمغامرات طرزان، وصار مولعًا بها رغم صعوبة الحصول عليها في ذلك الوقت، ثم بشخصيات والت ديزني. وصار يتدرب عليها، وخطط للالتحاق بها في مرحلة من مراحل عمره".

الفنان التشكيلي عمر عبد الرازق.. ريشة لم تكسرها الأيام

ولد الفنان عمر عبد الرازق في مدينة أويل بجنوب السودان في العام 1957. ثم انتقل والده إلى مدينة نيالا وهو طفل رضيع فشب بها وصارت مرتع صباه، وتلقى بها دراسته الأولية إلى أن جاءت لحظة تقاعد والده، فانتقلوا إلى العاصمة الخرطوم في أحد أحيائها المطلة على النيل الأزرق "حي الجريف غرب" ليواصل حياته وتعليمه. ولكن ظلت ذاكرته تختزن ما عاشه في طفولته وتلك السنوات الجميلة التي شكلت توجهه الفني. وفرضت عليه أن يترجم تلك الذكريات بريشته، مصورًا أجمل ما رأى في الطبيعة وهو يتابع إبداعات أعمال كبار الرسامين في العالم.

الفنان التشكيلي عمر عبد الرازق.. ريشة لم تكسرها الأيام

ولم يتوقف عند ذلك، بل توجه لصقل الموهبة بالعلم، فالتحق بمعهد الكليات التكنولوجية، كلية الفنون الجميلة، والذي تحول فيما بعد إلى جامعة السودان. وفي تلك الحقبة، كان المعهد يضم كوكبة من الطلاب المتميزين، فانتسابهم لدراسة الفنون الجميلة لم يأتِ صدفة، إنما جاء برغبتهم الأكيدة. ففي ذلك الوقت، كان الجميع يفضلون الالتحاق بكليات معينة تؤدي بهم إلى شغل وظائف مرموقة في المجتمع، وكانت النظرة لدراسة الفنون غير مقنعة لهم. فقد يتقبلونها كهواية، أما أن يضيع الطالب سنوات عمره في دراستها فذلك غير مقنع إلا للقليل من المستنيرين منهم.

الفنان التشكيلي عمر عبد الرازق.. ريشة لم تكسرها الأيام
الفنان التشكيلي عمر عبد الرازق.. ريشة لم تكسرها الأيام
الفنان التشكيلي/ عمر عبد الرازق

تميز عمر عبد الرازق برسم الكوميكس، مما فتح أمامه فرصة الالتحاق بمجلة الأطفال الأولى في السودان التي تصدر عن دار النشر التربوي بوزارة التربية والتعليم، مجلة الصبيان. وتألق بها، وقام برسم الشخصيات النمطية التي عاشت طويلًا. كما عمل رسامًا لمجلة هدهد التابعة للوزارة أيضًا، وكانت موجهة لفئة رياض الأطفال. وامتدت مسيرته في المجلتين معًا إلى أن جاء يومًا في وسط الثمانينيات، وصار واحدًا من مؤسسي مجلة صباح مع صاحب الامتياز نزار عوض عبد المجيد وبعض الكوكبة المتميزة من رسامي الأطفال.

وفي هذه المرحلة من حياته العملية، بلغ تألقه أوجه، فألف سلسلة مغامرات أبو شنب وأبو ضنب، أبطالها نمر وقرد، وهي شديدة الشبه بمغامرات توم وجيري. وثعلوب المكار لكنها حملت بصمته والبيئة المحلية، غير المقيدة بمنطقة بعينها. واستصحب فيها كل ما ترسخ بذهنه من مناظر عاشها في سنوات عمره الأولى من تجواله في الغابات. وظهر أيضًا تأثره بعشقه الأول، طرزان سيد الأدغال. وكما أسلفنا، أنه تدرب على رسم الشخصيات الشهيرة لمدينة والت ديزني، ولكن تخلى عن ذلك الحلم ليبقى في مجلة صباح، وصرف النظر عن رغبته بالسفر إلى أمريكا، مواصلًا بها حتى توقفت عن الصدور.

كل ذلك ولم يترك عمله بدار النشر التربوي، والذي تحول إلى قسم النشاط الطلابي بوزارة التربية والتعليم، حتى حان موعد تقاعده ونزوله للمعاش. لم يكن عمله الفني مقتصرًا على تلك الجهات فقط، بل امتد برسم مجموعة من قصص الأطفال لعدد من الكتاب، وبعض الجهات الاعتبارية من شركات ومنظمات تتطلب أنشطتها رسومات توضيحية. وظل مواصلًا العطاء رغم الحالة الصحية التي لازمته لسنوات، ولكنه لم يتخلَّ عن ريشته التي ما زال متمسكًا بها وبالتلوين اليدوي، رغم الهجمة التكنولوجية التي كادت معها أن تصير نسياً منسياً. فهذه الأدوات ظلت جزءًا من تاريخ ممتد من أصالة الفكرة وصفاء الروح.

اليوم، يعيش وسط أبنائه وأحفاده بالمملكة العربية السعودية، وما زالت ريشته بيده، لم تكسرها الأيام.

التعليقات