يومياتُ امرأةٍ مسنَّةٍ.. أملٌ...
العدد 166 - 2026
تسارعتْ نبضاتُ قلبي، وشعرتُ كمنْ يركضُ في التيهِ.. ألهذا فررتُ من بلادي؟! لستُ أحتملُ ألاعيبَ النِّسوةِ، سواءً بالقصدِ أو بالمصادفةِ. لا.. لا.. تزاحمتِ الأفكارُ تتهافتُ على رأسي، هل بسببِ المالِ كانتْ هذهِ المحاولةُ لفتحِ بابِ غرفتي خِلسَةً؟ أو بسببٍ آخرَ؟ شعري الأبيضُ والخطوطُ المرسومةُ على يديَّ يقولانِ إنَّهُ لا سببَ غيرُ الطمعِ فيما أملكُ، وليسَ بي شخصيًّا، وكلاهما لا يمكنني التعاملُ معهُ.
إلى أينَ أفرُّ؟ مرَّتْ لحظةٌ أو ساعةٌ أقنعتُ نفسي بأنَّهُ ربَّما كانَ طرقًا على بابٍ مجاورٍ، أو تهيُّؤاتِ عينيَّ الساهرتينِ. نعمْ، ربَّما.. وهذا هو الأغلبُ، ولا داعيَ لتهويلِ الأمورِ والمبالغةِ، ولحسنِ التدبيرِ كانَ البابُ موصدًا بالقفلِ كما اعتدتُ بتكاتِهِ عن آخرِها.
اقتربتُ من البابِ خطواتٍ، تحسَّستُ خدِّي، ضرَّني ضِرسي طوالَ الوقتِ الماضي، لم أنمْ من شدَّةِ التعبِ. دومًا ما أنجحُ في إلهاءِ نفسي عن نفسي، فقضيتُ اليومَ مشغولةً بلوحتي.
قفزتْ في رأسي عُلبَتي الحمراءُ القطيفةُ، جريتُ نحو الدولابِ للتأكدِ من كونِها ما زالتْ هناكَ. فتحتُها ولامستُ كلَّ قطعةٍ برويَّةٍ، فقدْ لملمتُ كلَّ دراهمي في هذا الصندوقِ. جئتُ من شاطئِ الأطلسيِّ لشاطئِ الخليجِ قاطعةً آلافَ الأميالِ والمسافاتِ من أجلِ السلامِ النفسيِّ. طمأنينةٌ سرتْ في جسدي فأغلقتُ العلبةَ معيدةً كلَّ شيءٍ إلى مكانِهِ.
لم يتركْ لي أحدُهم ولو احتمالًا صغيرًا للعودةِ، فقدِ اعتزلني في سنواتي الأخيرةِ هناكَ في بيتي هؤلاءِ المدَّعونَ. لطالما مرَّتْ أيامٌ تمنيتُ فيها أنْ أسمعَ صوتَ أحدِهم عبرَ الهاتفِ، حتَّى معايداتِ عيدِ الأمِّ وعيدِ ميلادي؛ نسيتُ كيفَ تكونُ الفرحةُ في الأعيادِ. حسبوني ثِقَلًا عليهمْ، عجوزًا تنهي حياتَها، فاخترتُ تغييرَ الأرضِ بغيرِ الأرضِ، وبلادٍ بغيرِ البلادِ، ربَّما عِنادًا، وربَّما خوفًا من الموتِ وحدي. ربَّما تكونُ الغربةُ المختارةُ أفضلَ من غربةِ الاضطرارِ.
فبعتُ كلَّ شيءٍ ثمينٍ لي حاملةً معي لوحاتي؛ هي ثروتي الحقيقيةُ. جئتُ مدفوعةً بغيابِهم وأنانيتِهم وجحودِهم، كانتْ هي تذاكرَ طيراني وتأشيرةَ دخولي هنا. مرَّتْ يدايَ على لوحتي فوقَ الحاملِ، ألوانُها التُّرابيَّةُ اللَّيليَّةُ تخرجُ من عيني.. أتراني فررتُ من الجحيمِ لأيِّ شيءٍ؟! آملُ ألَّا تكونَ خطوةً خاطئةً فأتحملَ ما يزيدُ عن العزلةِ...
قالتْ شَريكَتي ذاتُ الشَّعرِ الفضيِّ:
- "أنا أجدُ راحةً في العزلةِ، إنَّها حقًّا راحةُ البالِ التي لطالما كنتُ أنشدُها، وتخليتُ عن كلِّ شيءٍ ما عداها: العزلةُ".
وعلا صوتُها:
- "لا تتمردي على عيشةٍ اخترتِها".
وأضافتْ:
- "التخفِّي وسيلتي نحو الهدوءِ، ولا يمكنني أنْ أعملَ وسطَ الجحودِ وضوضاءِ الابتزازِ الدائمِ من المحيطينَ بكِ، أنتِ سببُ كلِّ تلكَ الأطماعِ بنا".
تذكرتُ أغطيةَ وإيشارباتِ الرأسِ، فربَّما أرتديها عند الخروجِ مع النظاراتِ الشمسيةِ لمزيدٍ من التخفِّي والعزلةِ.. مؤكدٌ.
سمعتُ طرقًا على البابِ ثانيةً، أغلقتُ النورَ وأعدتُ فتحَهُ مرةً ثانيةً:
- ما الذي تفعلينَهُ؟ افتحي البابَ!
خطوتُ نحو البابِ أسترقُ السمعَ، لم أسمعْ شيئًا. هممتُ بفتحِ البابِ هذهِ المرةَ لكنِّي تراجعتُ، انتبهتُ لورقةٍ مطويةٍ زرقاءَ تحتَ قدميَّ. التقطتُها ببُطءٍ وبيدينِ مرتعشتينِ، فربَّما تأتي بجديدٍ لستُ مستعدةً لهُ، أو ما ينزعُ عنِّي هدوئي. فضضتُ الورقةَ، كانَ مكتوبًا بها: "لا تغادري لمكانٍ آخرَ.. أريدُ أنْ أتكلمَ معكِ.. علاء".
ذكَّرتني الكلماتُ وطريقةُ الكتابةِ بلونٍ أحمرَ على ورقٍ ملونٍ تتناثرُ هنا وهناكَ بينَ البناتِ والشبانِ.. لا أدري لِمَ تذكرتُ تلكَ السنواتِ بإحساسِها وشغفِها. بالورقةِ عِطرٌ ما، دسستُ فيها أنفي طويلًا.. ما لهذا الجنونِ؟ هناكَ شيءٌ غيرُ طبيعيٍّ. هذا الرجلُ لا يمكنُ أنْ يعنيني بحالٍ، فلا يعرفني، ولم أنتبهْ لملامحِهِ غيرَ أنَّهُ طويلٌ مفرودُ الجسمِ يبدو أصغرَ من زوجتِهِ.. ولا أعتقدُ أنَّهُ رآني دقيقتينِ. تذكرتُهُ...
هممتُ بفتحِ بابِ الغرفةِ، وفعلًا فتحتُ البابَ، فوجدتُهُ أمامي؛ علاء، وبجوارِهِ رجلٌ نحيفٌ أسمرُ يبدو هنديًّا أو باكستانيًّا، يحملُ ملابسَ في أكياسِها.
اضطربتُ فلمْ أتوقعْ رؤيةَ أحدٍ على هيئتي هذهِ بملابسِ النومِ. تراجعتُ للوراءِ، قالَ علاء ينتزعني من هواجسي:
- هلْ هذهِ ملابسكِ يا سلوى؟ الرجلُ من المغسلةِ. همهمَ الرجلُ بكلامٍ، فقاطعهُ علاءٌ:
- لنْ تفهمي كلامَهُ، يقولُ إنَّها لنا.
قاطعتُهُ:
- لا، ليستْ لي. قلتُها ويزدادُ شعوري بغليانِ الدماءِ في جسدي، أغلقتُ البابَ ورائي مسرعةً.
قالَ علاء من وراءِ البابِ:
- آسفٌ، أملُ ليستْ هنا، وأحيانًا يحدثُ لي خلطٌ في شكلِ الملابسِ، فأنا لا أُميِّزُ ملابسَنا من ملابسِ الجيرانِ. وأضافَ:
- أملُ راحتْ مدرسةَ حازمٍ لتلتقيَ بالمتخصص النفسيِّ فقدْ طلبَ لقاءَها.. سوفَ أغادرُ بعدَ قليلٍ، لا تنزعجي.
لا يهمُّني من ذهبَ ومنْ بقيَ، ولا منْ تلتقي أملُ ولماذا.. بعدَ لحظةٍ تنبهتُ للكلامِ.. كيفَ إنَّها مشغولةٌ بولدِها في مشكلةٍ، ثمَّ تصنعُ خديعةً وتجري هكذا؟!! ماذا يريدُ الرجلُ؟ ولِمَ يُلْقي على أذني كلَّ تلكَ المعلوماتِ؟ هلْ هذهِ ورقتُهُ حقيقةً؟ احتمالٌ يكبرُ في صدري.. وأتجاهلُهُ مرةً ثانيةً. لنْ تجدَ أذنًا مستمعةً لكلماتِكَ يا علاء، لستُ منْ تبحثُ عنها.
وما زالتْ أملُ المتلاعبةُ لا تغادرُ رأسي، وفكرةُ أنَّها صاحبةُ الورقةِ أكادُ أُسلِّمُ بها رغمَ كلِّ شيءٍ؛ تريدُ أنْ تختبرَني.
طوتُ نحو الحمامِ في محاولةٍ لطردِ كلِّ تلكَ الأفكارِ وأصحابِها من رأسي، رحتُ أتخلصُ من كلِّ الأسماءِ التي علقتْ بذهني وموضوعاتِهم، وفكرتُ في الألوانِ التي أُحبُّ أنْ أشتريَها. لماذا لا أذهبُ للتمشيةِ اليومَ؟ ربَّما أشتري لي ملابسَ جديدةً أو شيئًا من الشوكولاتةِ والمكسراتِ، فقدِ انتهتْ كلُّها والتي أحضرتُها معي.
بدأتُ أعبثُ في أدراجِ خزانةِ الحمامِ، وأنتقي الكريماتِ والعطرَ، وأُعدُّ حمامي المغربيَّ الخاصَّ بعطرِ وزيوتِ الأُرْجَانِ، وأخرجتُ المسكَ والعنبرَ وأشعلتُ الفحمَ، فانتشرتْ رائحةُ البخورِ بالغرفةِ، وعطرتُ المناشفَ بعبقِ البخورِ، وأشعلتُ السخانَ ليجريَ الماءُ الساخنُ على أرضيةِ الحمامِ وفي البَانْيُو...
ومرَّ الوقتُ وأنا في حالٍ منتعشٍ، وعطورٍ لمْ أفتحْها وطقوسٍ محببةٍ تلذذتُ بها كدتُ أنساها وسطَ انشغالي. وانتهى الحمامُ، ولمعتْ عينا رفيقتي قائلةً:
- لمْ أزلْ صغيرةً يا عزيزتي، هلْ ترينَ بشرتي وكأنَّما رُوِيَتْ بعدَ عطشٍ؟
بينما اقتربتِ الشمسُ من المغيبِ، عطرتُ ملابسي وعبقتُها بالبخورِ قبلَ ارتدائِها، ومررتُ بخارَ العنبرِ يتخللُ شعري. لمْ يكنْ ببالي شيءٌ سوى استعادةِ كلِّ ما أُحبُّهُ من أشيائي الغاليةِ؛ شيءٌ من نفسي وعطري وراحتي. لمْ أستمعْ لما يحدثُ بالخارجِ، ولمْ أهتمَّ بما جرى خلالَ تلكَ الساعاتِ، وإنْ كانَ علاء قدْ ذهبَ أو لا.. لكنَّ ما حدثَ كانَ رائعًا، اكتشفتُ كمْ أنَّ قلبي هَشٌّ.
التعليقات