تأملات كريمة ..لحظةٌ.. بحجم وطن
العدد 166 - 2026
كان يومًا عاديًّا آخر من أيام كريمة في المقهى، أو هكذا كانت تظنّ.. رائحة مشروبها المفضل تدعوها للتأمل؛ لكن الناس لم يعودوا تجسيدًا مبهِرًا للحياة. كانت تهوى هذه الجلسة لأنها ترى حيواتٍ كثيرة في آنٍ واحد، كل شخص وطاولة تعكس ألوانًا من حيوات أخرى لم تكن تعرفها، لكن الناس مؤخّرًا لم يعودوا لوحاتٍ مكشوفة.. ما الذي يمكن أن تراه في أشخاص منكّسي الرؤوس نحو أجهزتهم؟ لا انفعال.. لا حوار.. لا تفاعل مع المحيط والواقع، بل أجسادٌ متصلبة تخفي بحورًا متلاطمة لا تعرف هدوءًا مع كل تحريكة إصبع تفتح مقطعًا جديدًا.
حاولت أن تبحث عن أشخاص يمارسون حياةً طبيعية.. حسنًا، هناك شاب يعمل على حاسوبه في انهماك، وأمٌّ تقنع طفلها بأن قطعة الحلوى ستأتي أسرع إن هو التزم الهدوء.. فكّرت كريمة في تلك المسافات الخفية بين الناس، كل طاولة تعكس عالمًا مختلفًا لا تعرف عنه الأخرى شيئًا.. المسافة هي متر واحد، لكنها مدنٌ كاملة من المجهول.
حسنًا.. لا شيءَ مميز اليوم، كل شيء يسير بشكل عاديّ.. كما ظننا أنه يجب أن يسير.. كما اعتدنا أن تسير الحياة حين نطمئنّ إلى استقرارها.
وفجأةً.. وصل ذلك التحذير، ورنّ ذلك الصوت.. ليس كأي صوت، تحذير موحَّد لا يخص شخصًا دون آخر، بل يخاطب الجميع. لم يدم طويلًا لكنه كان كافيًا لتسقط المسافات دفعةً واحدة.
ارتفعت الرؤوس، وتجمدت اللحظة. لثوانٍ بدا المكان وكأنه فقد لغته، ثم بدأت الحكاية.. لم تسأل المرأة عن اسم تلك المسنّة قبل أن تهرع إليها وتمسك بيدها لتطمئنها، ولم يميز الشاب عِرقًا حين عرض إرشادات السلامة. الطفل الذي كان يبكي قبل دقائق، هدأ فجأة كأنه استشعر أن هناك ما هو أكبر من رغباته الصغيرة وعيناه تدوران بين الكبار، كأنهما تسألان: هل نحن بخير؟ والأم التي كانت منشغلة بتهدئته صارت تنظر حولها وتبحث.. ليس عن الحلوى، بل عن واجبٍ تؤدّيه نحو شخص آخر.
في تلك اللحظة لم يعد المقهى مجرد مقهى.. صار وطنًا مصغَّرًا.. وعظيمًا. وطنًا بلا حدود بين الطاولات، بلا أسماء ولا خلفيات.
التقت الأعين المختلفة، لكنها جميعًا كانت تتفق في شيء واحد: لا أثر للرعب، بل يقينٌ بأن هناك من يسهر لأجلهم، من يراقب، من يسبق الخطر بخطوات.. تقنياتٌ تعمل، وخطط تُنفّذ، وعقول لا تنام.. في الأعالي، تتسابق الجهود بتقنيات جبارة ليبقى هذا المشهد، هنا في الأسفل، هادئًا وآمنًا كما هو.
كريمة التي كانت تراقب ذلك كله، أدركت شيئًا عميقًا: أن عظمة الأوطان لا تظهر فقط في الأغاني والاحتفالات والصور الرسمية، بل في الأحداث الاستثنائية التي لا تحتمل أي تمثيل.. حين يظهر الإنسان بقلبه الحقيقي، فنرى صورًا تُبهِر الإنسانية.
في ذلك المقهى لم يكن أحد يعرف الآخر.. لكن الجميع كانوا يعرفون معنى أن يكونوا معًا. لقد اختفت "أنا" فجأةً، لتظهر "نحن" دون مقدّمات.. تساءلت بدهشة: هل نحتاج فعلًا إلى لحظة قلق لندرك أننا أقرب مما نظنّ؟ ولماذا حين يزول السبب نعود فنضيّق هذا الاتساع من جديد؟
بعد دقائق.. عاد كل شيء كما كان، عاد الهدوء.. وعادت الطاولات إلى حدودها الخفية، وعاد كل شخص إلى عالمه المُسوَّر. لكن كريمة كانت ترى شيئًا آخر.. كانت ترى أن ذلك الاتساع الذي مرّ سريعًا كشف حقيقةً لا تخفى: أن الوطن حين يكون عظيمًا.. لا يمكنه أن يضيق أبدًا.
غادرت كريمة المقهى، وفي داخلها سؤال ظلّ دائرًا: ماذا لو عشنا كما كنّا في تلك اللحظة؟ دون خوف.. لكن بالقرب نفسه؟ ماذا لو تذكّرنا دائمًا كيف نكونه دون أن نحتاج إلى إنذار؟
التعليقات