"أخبروهم أنها هنا"… نصٌّ عن الحضور حين لا يُرى

"أخبروهم أنها هنا"… نصٌّ عن الحضور حين لا يُرى
"أخبروهم أنها هنا"… نصٌّ عن الحضور حين لا يُرى

لا يُقدَّم كتاب «أخبروهم أنها هنا» لسمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي بوصفه مجموعة نصوص فقط، بل حالة شعورية متكاملة.

هو كتاب يُشبه الوقوف طويلًا أمام مرآة لا تعكس الملامح، بل الأسئلة.

منذ العنوان، نحن أمام جملة تحمل رجاءً أكثر مما تحمل أمرًا؛ كأن الكاتبة لا تعلن حضورها بنفسها، بل تطلب من العالم أن يلاحظ، أن يلتفت، أن يعترف.

"أخبروهم أنها هنا"… نصٌّ عن الحضور حين لا يُرى
الكاتبة الإماراتية/ مريم ناصر

تكتب سمو الشيخة بدور وتترك شذرات من إحساس، ومقاطع من وعي، تتجمع في ذهن القارئ ببطء. هنا، النص ليس طريقًا مستقيمًا، بل مسار داخلي متعرج، يُشبه التفكير في لحظة صدق قاسية مع الذات.

اللغة في هذا الكتاب عميقة في أثرها. لا زخرفة زائدة، ولا استعارات صاخبة، بل كلمات موضوعة في أماكنها بحذر شديد، وكأن كل جملة خضعت لاختبار: هل تشبه الشعور حقًا؟

هذه اللغة تمنح النص قوة مضاعفة، لأن الفراغات بين الجمل تصبح جزءًا من المعنى، والصمت يتحول إلى شريك في الكتابة.

يتردد مفهوم الحضور في الكتاب بوصفه فكرة وجودية لا اجتماعية. الحضور هنا ليس أن تكون مرئيًا للآخرين، بل أن تكون حاضرًا لنفسك، واعيًا بثقلك العاطفي، وبحقك في أن تشعر. في المقابل، يبدو الغياب كحالة مفروضة، لا دائمًا نختارها، بل نُدفع إليها حين لا نجد من يصغي، أو حين يصبح الصمت أقل إيلامًا من الكلام.

اللافت أن النصوص لا تتوسل التعاطف، ولا تستدر العاطفة. الكاتبة تكتب من موقع قوة هادئة، قوة الاعتراف دون ادّعاء، وقوة الضعف حين يُكتب بصدق. "هي" في النص ليست شخصية محددة، بل مساحة مفتوحة تتسع لكل قارئ وجد نفسه يومًا مضطرًا لإثبات وجوده دون ضجيج.

في «أخبروهم أنها هنا» تتحول التجربة الأنثوية إلى مرآة إنسانية شاملة. لا تُقدَّم الأنوثة كهوية صدامية، بل كحساسية عالية تجاه العالم، وكقدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تُهمل عادة: نظرة لم تُفهم، كلمة لم تُقل، شعور عابر لكنه ترك أثرًا طويلًا.

هذا كتاب لا يمنحك شعور الاكتمال، بل يذكّرك بأن النقص جزء من التجربة الإنسانية. لا يَعِد بالشفاء، لكنه يقدّم شيئًا لا يقل أهمية: الفهم. أن تفهم ما تشعر به، أن تجد له اسمًا، وأن تدرك أنك لست وحدك في هذه المساحة الرمادية بين الحضور والغياب.

في النهاية، «أخبروهم أنها هنا» ليس نداءً موجَّهًا إلى الآخرين فقط، بل رسالة داخلية، خافتة لكنها حاسمة:

أن تكوني هنا، حتى حين لا يراك أحد، هو فعل شجاعة بحد ذاته.

وأن يُكتب هذا الحضور، هو شكل من أشكال الخلود الهادئ.

التعليقات