لكل امرأة كتاب
العدد 165 - 2026
تعد الكتابة السردية من أرقى الأجناس الأدبية المعاصرة، خاصة إذا ما امتزجت بالتقطيع الدرامي للأحداث، والإيقاع الداخلي للروح الباحثة عن موسيقا الكون المترامي، والذي يشكل جوهر الأشياء فينا.. وأخيراً أصدرت دائرة الثقافة في الشارقة رواية (أنين الناي) للكاتب والمسرحي الإماراتي صالح البحار، جاءت الرواية في 144 صفحة من القطع المتوسط.
فعتبة النص تبدأ من العنوان (أنين الناي) الذي يشي بما يضمره الكاتب من حيث استحداث لغة موحية للناي حين جعله يئن قبل أن يصدر نغماً، معتبراً لغته ليست صوتاً يُسمَع بقدر ما هي وجعٌ يُفصِح عن نفسه؛ إنها لغة تنبعث من الروح قبل أن تمرّ عبر القصبة، لغة لا تتوسّل الأذن وحدها بل تخاطب الذاكرة العميقة للإنسان، حيث يتراكم الحنين ويقيم الفقد طويلاً. فالناي في جوهره، آلة منقوصة جوفاء، لا تُصدر صوتها إلا حين يُنفَخ فيها، وكأنها لا تحيا إلا بما يُسكَب فيها من أنفاس الآخرين، لتتحول هذه الأنفاس إلى اعترافٍ غير منطوق عبر مدارج الروح.
وقد بدأ البحار روايته بقوله في المقدمة: (لا تبدأ الحكايات بصوت عالٍ، قد يكون صرير بابٍ نسيه الزمن، أو نغمة تتسلل عبر نافذة مغلقة، أو حكاية لا يريد أحد أن يرويها). فالسارد العليم هنا وضع القارئ في عالمه الروائي منذ اللحظة الأولى، حيث يمكننا النظر إلى (أنين الناي) بوصفها اشتغالاً واعياً على السرد النفسي، حيث تتراجع الحبكة الخارجية لمصلحة الغوص في طبقات اللاوعي، على نحو يذكّر بتجارب عالمية وعربية جعلت من الداخل الإنساني مسرحها الأول، كما عند فيودور دوستويفسكي في «مذكرات من تحت الأرض»، أو عند مارسيل بروست في بحثه المضني عن الزمن والذاكرة، وصولاً إلى نجيب محفوظ في نصوصه التأملية المتأخرة، والطيب صالح في اشتغاله على الذاكرة والذنب والهوية.
تنطلق الرواية من غرفة منعزلة، ليست مجرد فضاء مكاني، بل حالة وجودية، ينسحب إليها كاتب مثقل بوطأة الواقع، باحثاً عن عزلة تشبه ما وصفه الفرنسي غاستون باشلار بوصفها شرطاً لتكثيف الوعي، غير أن هذه العزلة سرعان ما تُخترق بصوت الناي، القادم من الشيخ الضرير، فيتحول الصوت إلى عنصر تفجير سردي، لا بوصفه حدثاً، بل بوصفه أثراً نفسياً متكرراً. هنا يستعيد (البحار) رمز الناي، ذلك الرمز الذي شحنه التراث الصوفي، منذ جلال الدين الرومي، بدلالات الفقد والاقتلاع والحنين إلى الأصل، ليجعله في روايته صوت ضمير أكثر منه آلة موسيقية.
همس الشيخ: «سامحيني يا ميثة… ما كان بيدي» يشكّل نواة الصراع، ويفتح باب التأويل على مصراعيه، فـ«ميثة» لا تُقدَّم كشخصية مكتملة، بل كطيف، كجرح مفتوح، أو كما عند بروست: ذكرى غير مستقرة، تعيد تشكيل الحاضر كلما استدعيت. هذا الغموض المقصود يجعل الشخصية تتحول إلى مرآة تعكس قلق البطل الوجودي، وتُسقط عليه مخاوفه وأسئلته عن الذنب والفقد والاختيار. أو كما اعترف بذلك السارد العليم (ربما ميثة لم تكن امرأة على الإطلاق، بل كانت الندم الذي لم نسمّه، أو الحب الذي لم نجرؤ عليه، أو الذاكرة التي لم نجد لها مكاناً آمناً)
يبني (البحار) خلال روايته توتراً نفسياً هادئاً، بعيداً عن الدراما الصاخبة، أقرب إلى ما نجده في سرديات الاعتراف، حيث لا يأتي الانفجار في ذروة حدثية، بل في لحظة انكشاف داخلي، عند مرض الشيخ، حين يتحرر السر ويُكسر الصمت. هنا تشتغل الرواية على فكرة البوح بوصفه خلاصاً نسبياً، لا يزيل الألم، لكنه يعيد تنظيمه داخل الوعي، في مقاربة قريبة من تصور دوستويفسكي للألم كشرط للمعرفة الذاتية.
على المستوى اللغوي، يعتمد النص لغة رمزية هادئة، تتجنب الزخرفة، وتراهن على الإيقاع الداخلي للجملة، في محاكاة واضحة لأنين الناي نفسه، السرد بضمير المتكلم لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يقدّم ذاتاً مترددة شكاكة، تحاول الفهم لا الإدانة، مما يجعل القارئ شريكاً في التجربة، لا متلقياً سلبياً. كما أن الزمن في الرواية متكسر، تتداخل فيه الأزمنة كما تتداخل الذكريات في الوعي، على نحو يذكّر بتقنيات تيار الوعي، دون الوقوع في استعراض تقني مفتعل.
كما نلاحظ البيئة المحلية الإماراتية تكتسب حضوراً رمزياً فاعلاً؛ فالنخيل، والرمل، والظل، والحصاة، ليست عناصر وصفية، بل علامات دلالية تحيل إلى الصبر، والتيه، والثبات، والصمت الطويل، بهذا المعنى، تتحول البيئة إلى شخصية موازية، كما في روايات الطيب صالح، حيث المكان ليس خلفية، بل جزء من البنية النفسية للسرد.
تتجاوز «أنين الناي» حدود التجربة الفردية لتلامس وجعاً إنسانياً عاماً، مرتبطاً بالفقد والندم والذاكرة المثقلة بما لم يُقَل، فالرواية لا تدخل في سجال فكري مباشر حول قلق الإنسان المعاصر، لكنها تلتقطه من زاوية حميمة، وتعيد صياغته في شكل تجربة شعورية مكثفة، تؤمن بأن الأدب ليس في تسلية القارئ، بل في إيقاظ أسئلته.
وقد يترائ لنا في الأفق تشابهاً نسبيّاً بين صالح البحار في أنين الناي وأدب الصحراء عند إبراهيم الكوني، في اعتمادهما على الرمز بوصفه أداة مركزية للسرد؛ فالناي عند البحار يؤدي وظيفة قريبة من وظيفة الصحراء أو الأسطورة عند الكوني، باعتباره وسيط للكشف الداخلي، وصوت خفي للضمير والذاكرة. كما أن كليهما يراهن على لغة هادئة، مكثفة، تشتغل على الإيحاء أكثر من التصريح، وتجعل القارئ شريكاً في فك الشفرات الدلالية للنص. وإذا كان البحار ينطلق من عزلة غرفة وصوت ناي حزين، فإن الكوني ينطلق من عزلة الصحراء وصمتها الكونيّ، لكن النتيجة واحدة.. سردية وجودية تتأمل هشاشة الإنسان أمام ماضيه وأسئلته غير المحسومة، وتحوّل التجربة الفرديّة إلى معنى إنسانيّ عام.
إن رواية (أنين الناي) تقدم نفسها كنص تأملي، لا يراهن على الهشاشة الإنسانية وعلى قوة الصمت بقدر ما يراهن على اللغة. إنها رواية تُقرأ ببطء، وتُستقبل كحالة وجدانية أكثر منها حكاية تقليدية، نصٌّ يجعل من الكتابة فعلاً من أفعال الإصغاء العميق، للذات وللآخر، وللوجع الإنساني المشترك، في توازن دقيق بين التراث والراهن، وبين المحلي والكوني، وقد قسمها (البحار) إلى (21) مشهداً درامياً، ليسهل على المتلقي التنقل بين المشاهد بكل أريحية، معتمداً على لغة مرنة في التراكيب، والمعاني التي تربط كل الأشياء ببعضها، كما لو أنها مرثية إنسانية تلامس شغاف الروح.
التعليقات