بين التعليم والثقافة.. أين نحن؟

بين التعليم والثقافة.. أين نحن؟
بين التعليم والثقافة.. أين نحن؟

عادة ما ننظر للشخص المتعلم، خاصة الجامعي أو إن كان من أصحاب الشهادات العليا، أنه شخص مثقف، ولكن الواقع يؤكد وجود الكثير من الأشخاص المتعلمين لكن غير المثقفين، والعكس صحيح.

فالإنسان المتعلم ليس بالضرورة أن يكون شخصاً مثقفاً.. وظيفة التعليم هي إنتاج عقل مثقف.. وإذا فشل التعليم في إنتاج عقل مشبع بالثقافة، فإنه يتوقف عن أداء وظيفته، ومع ذلك فإن الأمر يعتمد كثيراً على الشخص الذي يتلقى التعليم؛ فإذا لم تكن لدى الأخير رغبة حقيقية في التغيير دوماً للأفضل فسيقف حتماً عن نقطة معينة وهو ما يسمى بالقالب العقلي الجامد.

غياب الوعي
بين التعليم والثقافة.. أين نحن؟
فتحية القرني

وما أكثر الأشخاص من أصحاب العقول الجامدة، خاصة في وقتنا الحاضر. تروي فتحية القرني، طالبة سنة ثالثة بكلية الإعلام جامعة دمشق لمرامي إحدى القصص المضحكة المبكية لأحد أصحاب تلك العقول بقولها: "تقدم لإحدى صديقاتي شاب لخطبتها عن طريق إحدى قريبات العائلة، وهو شاب كما يقولون بالعامية "كامل مكمل" وحيد لوالدته مقتدر مادياً، ويملك شقة وسيارة وتلك مواصفات _خاصة في وقتنا الصعب_ تعد أسطورية بالنسبة لشاب في بداية حياته، وجامعي حيث تخرج في إحدى كليات القمة، وكذلك والدته إنسانة متعلمة، وبالفعل تمت الخطبة ومع مرور الأيام تفاجأ صديقتي بأن خطيبها يهوى الحديث مع الفتيات على الهاتف، وبعد محاولات فاشلة منها لتغييره، قررت فسخ الخطوبة، لأنها ستعيش في مستنقع الخيانة طوال حياتها، ولكن أسرتها رفضت بشدة بحجة أنه مجرد طيش شباب، وأنه سيتغير بعد الزواج، وعندما لجأت لوالدة خطيبها، صدمت بردها، وقد كانت تظنها واعية وذات آراء سديدة، وظنت أنها ستوقف تصرفات ابنها الخاطئة وسترفضها، ولكنها صدمت بأن حماتها لا ترى أي خطأ في تصرفات ابنها، فهو رجل ومن حقه أن يعيش حياته كما يشاء، طالما هو لن يقصر أبداً على زوجته خاصة من الناحية المادية، هذا الرد دفع صديقتي لفسخ الخطوبة، وعانت طويلاً من معاملة أسرتها السيئة لها، لأنها أضاعت فرصة ذهبية من بين يديها.

وأدركت فتحية من تجربة صديقتها أن الشهادة الجامعية ليست بالضرورة مؤشراً على الوعي والثقافة والفكر الإيجابي المستنير.

قارئ الحرف والكتب
بين التعليم والثقافة.. أين نحن؟
عمر جاويش

ويتفق عمر جاويش مع فتحية القرني بأنه ليس كل متعلم مثقفاً، وهي مقولة بليغة لعميد الأدب العربي طه حسين، والذي كان يرى الإنسان لا يحصل العلم ليجعله شيئاً بينه وبين نفسه دون أن ينفع أحداً من الذين يعيشون معه في بيئته ووطنه، وإنما يحصل العلم والثقافة ليكونا مصباحاً يضيء لمن حوله من الناس سبيل الحياة الراقي والمعرفة، كما أن هناك مقولة لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ يقول فيها: إن قارئ الحرف هو المتعلم، وقارئ الكتب هو المثقف.

سلوك حضاري
بين التعليم والثقافة.. أين نحن؟
لين سنجقدار

على ذات الصعيد، توضح لين سنجقدار، طالبة سنة رابعة حقوق في جامعة دمشق، أن الثقافة سلوك حضاري معرفي ممزوج بفعل إنساني متحضر، والشخص المثقف هو من يمزج تجارب الحياة مع نظرية التعليم وليس من الضرورة أن يكون المثقف هو خريج الجامعة أو الذي حصل على أعلى الشهادات الأكاديمية، فالتعليم الممنهج الأكاديمي ليس الأمر كله، ولنا في رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فعلى الرغم من أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان أمياً إلا أنه أعظم البشر، وفي عصرنا الحديث فإن عباس محمود العقاد وجبران خليل جبران ومئات من مشاهير المثقفين لم يحالفهم الحظ في الحصول على شهادات عليا، ولكنهم كانوا من أكبر المثقفين من عالمنا العربي.

دور وسائل الإعلام
بين التعليم والثقافة.. أين نحن؟
محمد فضة

ويطرح محمد فضة نقطة بالغة في الأهمية تتلخص بأن تطور وسائل الإعلام في القرن العشرين شكّل البيئة الثقافية العالمية فأثار ذلك مناقشات اختلفت فيها الآراء دوماً وتعددت فيها الاتجاهات حول تأثير وسائل الإعلام على الثقافة، ومن أهم تلك الاتجاهات تحميل وسائل الإعلام المسؤولية عن هبوط مستوى الثقافة وانتشار الثقافة الشعبية وتناقص الاهتمام بالثقافة الرفيعة، ويوضح محمد فضة أن الإنترنت أضحى في مركز الصدارة من حيث التأثير الكبير على نشر الثقافة بين شرائح المجتمع المختلفة فهو يمكن الناس من الوصول إلى مصادر متعددة وعديدة للمعرفة والمعلومات وتبادل الأفكار والثقافات بين الناس من دول وثقافات مختلفة، كما يساعد الإنترنت على تنوع وتوسيع المحتوى الثقافي وإيصاله إلى مختلف شرائح المجتمع، من جانب آخر للأسف نجد على الشبكة العنكبوتية دوماً انتشاراً للأخبار المزيفة والاستهلاك الزائد لأوقات الفراغ وقلة التواصل المباشر مع الآخرين.

خلاصة القول: لنسعَ كي نربي جيلاً يتعلم بعقله ويدرك لم خلق الله آدم عليه السلام على هذه الأرض ليعمرها وينشر فيها الحضارة والمحبة بين الناس وقد ذكر الله في كتابة الكريم (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) صدق الله العظيم، ولنكن كما أمرنا ديننا الحنيف أفراداً متعلمين مثقفين الثقافة الحقيقية المفيدة لحياتنا وأولادنا.

التعليقات

فيديو العدد