الأمل والتفاؤل .. وجهان لعملة واحدة
العدد 161 - 2025
"تزوجوا.. فإن كانت المرأة طيبة جعلتكم سعداء، وإن كانت شريرة أصبحتم فلاسفة". قالها سقراط ووقع في فخها الكثير من الكتاب والفلاسفة والمفكرين، بل ومؤلفي الدراما الذين اتخذوا من الزواج مطية لتحليلات ساخرة وتلميحات عابثة.
ولم لا؟ وهي تلك العلاقة التي تحمل في مفرداتها كل مقومات الكوميديا الاجتماعية لما تشمله من تناقض في الطبائع والصراع على إثبات الذات، ساعدهم في ذلك تلك القصص التي حفظها التاريخ لأصحابها الذين أثروا البشرية بأعمال عظيمة لا تتناسب بحال مع معاناتهم في الزواج أو مع المرأة عامة، إلا أنهم أصبحوا فلاسفة وأدباء ومخترعين من أمثال سقراط وأفلاطون، حتى توفيق الحكيم، أنيس منصور مروراً بنتشه، برناردشو، جوتة، أينشتاين، هيمونجواي وجونتبرج.
ذلك من خلال أفكار فلسفية وطلسمات حياتية واقعية أو مجازية دوّن على أثرها كل منهم خلاصة تجربته، في محاولة لأن يلقي على المرأة مهام بلوغ السعادة وبالتالي تبعات الفشل.
ولأن السعادة هي الداعمة لذاتها، المؤكدة لوجودها، المحفزة لعطاءاتها والمجددة لطاقاتها، سعت إليها المرأة بخطى واثقة وإدراك واعٍ وبذل يحسب لها ويقين في بلوغها. أما الرجال كل الرجال على اختلاف أيديولوجياتهم الفكرية وانتماءاتهم الثقافية وبيئاتهم الاجتماعية فإنهم فضلوا أن يصبحوا فلاسفة؛ لأن ذلك هو الداعم لوجودهم، المؤكد على كينونتهم والشافي لذواتهم الطامعة في اكتمال يظل شاغلهم الأوحد.
الكاتب وأستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور محمد حسين أبو العلا بدأ رحلته الفكرية بمحاربة الاستشراق المغرض في مؤلفه "القرآن وأوهام مستشرق" وحتى صدر له أخيراً كتاب "سؤال الحيرة واليقين.. دراما الكون"، وفي ما بينهما عدد ليس بقليل من مؤلفات تحمل توجهاً ثقافياً، فكرياً، أيديولوجياً، سياسياً ودينياً، خاطب خلالها العقل العربي.
ومع كل ذلك، وعلى الرغم منه، أبى إلا أن يسير في ركاب هؤلاء الذين تعاملوا مع المرأة على اعتبار أنها إشكالية الإشكاليات في الماضي والحاضر بل والمستقبل ذلك من خلال مؤلفه "قصة الفكر التائه.. كارثة ما بعد الحقيقة"، الذي صدر في طبعته الثالثة يناير 2025، قدم خلاله مئات المأثورات العربية والمترجمة التي استخلصها أصحابها من خلال تجربتهم مع المرأة.
وكان له نصيب من ذلك حيث وصفها بأنها: "الحب، العشق، الغزل، المكر، الجمال، الإلهام، السحر، الخديعة، الشغف، العاطفة، الإحساس، الشعور، الكيد، الوجدان، الخيال، الوهم، السراب، الجفاء، النجوى، الشكوى، الألم، الحيرة، الهوى، الشوق، الغدر، الحنان، الغرام، الوله، العجب، الحرمان، الذكرى، العذاب، الفتنة، الحسن، الرقة، الصبابة، الجاذبية، الهيام، الوحشة، الهجر، الضنى، الغواية، النشوة، الشك، الولع، الحلم، الدفء، الألفة"، مؤكداً بذلك على ازدواجية فكر المرأة بل ومشاعرها إلى الحد الذي لا يمكن أن تدرك معه دواخلها أو تقف على تفسير واضح لأقوالها أو أفعالها.
وأتساءل: هل يمدح المؤلف قلب المرأة ويذم عقلها أم يمدح عقلها الذي حاك تلك الإشكالية التي ذهبت بالرجال إلى هذه الدرجة من الإيهام؟ وهل في وصفه ذلك تأكيد على رومانسية المرأة مع احتفاظها بأدوات التفكير المنطقي، أم أنه ينفي عنها ذلك الوجود العاقل الفاعل؟! تلك المنطقة التي لم تغادرها المرأة في عقول الكثيرين حتى من أصحاب الفكر الليبرالي.
يقول دكتور أبو العلا: "إن المرأة استطاعت أن تغير التاريخ حين هزت عروشاً أو شتت جيوشاً، لكنها تجاهلت الجغرافيا حيث لم تستطيع أن تسجل بصماتها على الأنهار والصخور أو تحجب العواصف والأعاصير أو تزحزح الجبال". وبنفس المنطق المشوش الذي لا أتفق معه فيه أقول: ربما لم تغير المرأة فى جغرافيا الأرض وإنما غيرت في جغرافيا الكون حين نزلت بآدم إلى الأرض فعمرتها.
وفي وصفه لما أسماه بالضعف يردد المؤلف في غير شفافية: "ظلت المرأة تحتمي بهذا الضعف وتحيله إلى قوة خارقة توظفها في استلاب ما تريد حتى لو كانت حشاشة الروح" متجاهلاً أن إبراز ذلك الضعف هو ما يحقق للرجال على اختلافهم حماية لنرجسية ذكورية في غير موضعها ولقوة مصطنعة ولقرارات فردية طائشة أحياناً.
حتى إن المؤلف ذاته يعود ويتساءل: "هل بالفعل ظلت المرأة مترنحة تطحنها مخاضات التوافق والتكيف والاندماج بعيداً عن أماني التوحد والاسترسال الذاتي والبصيرة الوجدانية"؟
ويجيب بعدما خلع عن نفسه ثوب التباهي بعداوة مستحبة ملهمة "حقاً إن المرأة ليست كياناً محدوداً منغلقاً يمكن احتواؤه وإنما هي قضية كبرى، عالم لا متناهٍ استهلك عقولاً وعصوراً وتشعبت حوله الرؤى واحتدمت الخلافات وكثرت التوصيفات"، بل ويؤكد أن المرأة "صارت هي العالم الأثير لدى الرجل".
حقاً.. إنها قضية الليل والنهار، الشمس والقمر، الخلق والخليقة لا أحد يعلم أيهما وجد، وأيهما تبع الآخر؟ حتى إنه لم يعد مقنعاً هذا الادعاء من الرجال بأننا شركاء الحياة ولا كافياً ذلك التهافت على الاعتراف بذلك لأن الإشكالية بيننا ممتدة منذ بدء الخليقة وحتى الانفجار الثاني.
قضية كان أولى بالحب أن يحسمها لما له من طاقة روحية قادرة على استيعاب أسباب الاشتباك مهما كانت، إلا أن لأبو العلا رأياً مغايراً، حيث وقف بين حرفيه الحاء والباء ليؤصل من جديد لا لأسباب الاختلاف فقط وإنما لأسباب الخلاف أيضاً حين قال: "إن الاتفاق بين الرجل والمرأة على الحب كمبدأ لم يعصمهما من الاختلاف حول مفهومه الذي تجهله المرأة بينما يتعمله الرجل ليس إرضاء للحب أو للحبيبة وإنما إرضاءً للحكمة".
وهنا أقول: إنها تضحية تبرز إنسانية فى غير موضعها ورومانسية مصطنعة وألفة على اضطرار، وأتساءل: لماذا يقدم عليها الرجال؟!
ويجيب المؤلف: "انصياعاً لتراتيل السلام العاطفي" ولم يقل: حباً وعشقاً؛ ليؤكد دون قصد على شفافية المرأة التي قد نختلف على وسائلها لكن نتفق على هدفها وهو الحب انصياعاً واستجداء واستسلاماً.
وكعادة بعض الرجال يرمون النساء بنواقصهم الشعورية وقصورهم الفكري وضعف منطقهم يتساءل المؤلف في سخرية مرتبكة "متى يحقق الحب مراتب السمو الروحي ويكون فاعلاً في تطهير النفس؟".
وأجيبه: حين يقدم عليه الرجال لذاته وليس إرضاء للحكمة الداعمة للنرجسية.
وعليه أرى ضرورة أن تدخل المرأة الرجل إلى ذات عالم النقد الذي يشملها به بين الحين والآخر، ليس النقد الخاص الذي يرتبط بالأساس بأمور شخصية وتفاصيل ذاتية يستطيع دائماً الانفلات منها قبل إحكام القبضة كالتي يحكمها الرجال في توصيفاتهم للنساء لأنها توصيفات عامة توحدوا عليها، والذي استشهد المؤلف بعباراتهم ومنها:
وهكذا، تبقى المرأة محور الحياة، أيقونة الفن، ويبقى الحب سر الوجود وأصل الحياة ما دام طرفاه على عهد الشد والجذب، اختلافاً واتفاقاً.
التعليقات