الدكتور يوسف الحسن: أخشى على القيم الإنسانية والتواصل الحقيقي في هذا العالم الافتراضي

الدكتور يوسف الحسن: أخشى على القيم الإنسانية والتواصل الحقيقي في هذا العالم الافتراضي
الدكتور يوسف الحسن: أخشى على القيم الإنسانية والتواصل الحقيقي في هذا العالم الافتراضي

كان الحديث مع ضيف مرامي الدكتور يوسف الحسن، أحد مؤسسي جريدة الخليج، والدبلوماسي والكاتب المثقف بجزالة، حديثاً مشوقاً بقدر ما هو ثري ومشبع بالمعلومات التي تنم عن ذكاء صاحبها وخبرته في الحياة وفضاءاتها الثقافية. يقطر من حديثه معنى المعرفة المعمقة لما تعلمه وما أسقطه من علم على صفحات مؤلفاته العديدة. يعشق وطنه وعروبته، وكما جاء على لسان أفلاطون بقوله: "غايتنا من إقامة الدولة هي السعادة للجميع، وليس لأي طبقة معينة"، فهو مؤمن بأن التسامح وحوار الثقافات وتقبل الآخر هو السبيل لإسعاد الجميع، وهو ما عاشه وتعيشه دولة الإمارات العربية المتحدة بصدق لا مثيل له، فلنتعمق بفكره وعصارة خبرته طوال عمره المديد بقراءة الحوار التالي..

هل الحاجة المجتمعية أم الرغبة في التوعية المجتمعية هي التي كانت وراء التفكير بتوفير مطبوع إخباري "المجلة والجريدة "وكيف كان ذلك؟

أذكر في عام 1970وقبلها بشهور حيث كان أهل الإمارات يعيشون حياة صعبة، إلى جانب تفشي الأمية بدرجة كبيرة، والهيمنة البريطانية، وعلى مدى 150 عاماً كانت قد أغلقت كافة السبل أمام أي تطور، حتى كان يتراءى لنا أن هوية المجتمع آخذة بالذوبان وسط حالة من اللايقين. كما أن الصحف العربية لم تكن تنشر أي شيء عن إمارات الساحل المتصالحة "حسب المسمى البريطاني"، لقلة اهتمامها بالمنطقة، وعليه فقد كانت صدورنا تضطرب بأسئلة كثيرة.

وفي صيف 1970 بدأت فكرة الرسالة الإعلامية بالنضوج في رؤوسنا أنا والصديقين الأخوين "تريم وعبد الله عمران" من خلال التفكير بإصدار مجلة وجريدة يومية، لذا أنا أعتز بكوني كنت أحد المؤسسين الثلاثة لمجلة الشروق وجريدة الخليج وأول رئيس تحرير لهما. وخطوط الأهداف كانت واضحة لدينا، فلم يكن مشروعنا الثقافي والتوعوي مشروعاً تجارياً، وقد تحددت بخمسة أهداف: أولها قيام مشروع وحدوي في الخليج العربي بعمق عربي وانتماء قومي، وثانيها ترسيخ الهوية الحضارية العربية والإسلامية للمنطقة، والهدف الثالث مواجهة تسلط شاه إيران وتهديداته باحتلال عدد من جزر الإمارات فضلاً عن اعتباره أن البحرين هي جزء من إيران، والهدفان الرابع والخامس تضمنا طرح أفكار للنهوض والتنوير والحريات العامة والتنمية الشاملة. وكل هذه الأهداف كانت تلخص الإطار العام لما كنا نصبو له وراء ولادة مجلة الشروق الشهرية ثم الأسبوعية لتتوقف بعد عام.

والمطبوع الثاني هو جريدة يومية واسمها "الخليج"، وقد دعت الحاجة الماسة لصدورها لرصد يومي لأخبار الناس وحركة التفاعل بين القيادات الإماراتية والمسؤولين وتفاعلاتهم في تلك المرحلة التأسيسية لقيام دولة متحدة بين تسع إمارات بما فيها "قطر والبحرين" أو سبع إمارات" على الأقل، وفي السنة الأولى من صدور جريدة الخليج كانت هناك عقبات ومحبطات عديدة بطعم الرماد، وقد واجهنا معارك كثيرة من المحبطين وأصحاب الأجندات الأجنبية في ذلك الوقت، إلى درجة أنه كان يتم توقيف الجريدة لعدة أيام إذا ما نشرت من خلال صفحاتها خبراً كان يُفتَرض أن لا يصل الناس، وكنا دوماً ملتزمين بتطبيق المبادئ الأساسية للإعلام كعلم، وفن وصناعة ورسالة تخدم المعرفة، وتعزز الأهداف العامة وراء هذه الرسالة وتعمل على توسيع خيارات المواطن وتلبية طموحاته بمستقبل أفضل.

ما الهدف من كتابة اسم الجريدة بحروف متباعدة؟

تجزئة اسم "الخليج" كان ذلك مقصوداً أي هكذا" ال خ ل ي ج" لتعكس معنى التمزق في المنطقة في زمن الهيمنة البريطانية وما سبقها من غزوات أجنبية بدأ من الغزوات البرتغالية. وفي مطلع الثمانينات بعد توقفها لنحو ثمان سنوات قيل لنا لمَ لا تدمج الحروف؟ فالمنطقة قد توحدت بدولة الإمارات، لكن الأخوين تريم وعبد الله عمران، رحمها الله، رغبا في الإبقاء على هذا النموذج احتراماً وتذكيراً بلحظة التأسيس في عام 1970.

ومع ولادة اتحاد الإمارات تحقق الهدف الأسمى لتأسيس الصحيفة والمجلة، أعقبه انخراط الأصدقاء الثلاثة المؤسسين بالعمل الرسمي "تعليم / دبلوماسية – برلمان أي المجلس الوطني الاتحادي" وتوقفت الجريدة عن الإصدار لتغلب الرأي المطالب بوقف إصدار الجريدة في فبراير 1972، وخاصة أنها كانت تطبع في دولة الكويت بسبب عدم وجود مطبعة مناسبة لطباعة الصحف لدينا.

كيف تتبلور فكرة إصداراتكم والتي آخرها وليس الأخير "شُرفات للتأمل والتفّكر َوالتدّبر" الذي صدر ووقع أخيراً في معرض الشارقة الدولي للكتاب لهذا العام؟
الدكتور يوسف الحسن: أخشى على القيم الإنسانية والتواصل الحقيقي في هذا العالم الافتراضي
د. يوسف الحسن

بدايةً أعرج على فكرة إصداراتي للكتب التي قمت بتأليفها وقد وصل عددها اليوم 45 كتاباً، وكان أول كتاب قد صدر في القاهرة عام 1975 بعنوان "دراسات في الإدارة والحكم المحلي"، مع بدايات عملي في السلك الدبلوماسي الذي بدأ من مصر وجامعة الدول العربية، ثم تطورت الاهتمامات وكانت الكتابة حينها باتجاه البحث في العلاقات الدولية ودعم العمل الدبلوماسي في تلك المرحلة التي شهدت الأدوار الإيجابية والفاعلة لدولة الإمارات سواء ما كان يتعلق بالنفط وحظرهِ واستخدامه كسلاح سياسي، ودعم التنمية وتقديم المساعدات لخدمة العمل العربي المشترك طوال السبعينيات.

ولعل أبرز قضيتين تعرضت لهما بكتاباتي آنذاك هو الحوار العربي الأوروبي والحوار العربي الأفريقي، اللذين تبلورا بعد حرب أكتوبر 73، وحظر النفط عن الدول الداعمة للعدوان، وفي تلك المرحلة أقامت الدول العربية الكثير من الجسور التفاعلية مع أوروبا وأفريقيا. تلتها مرحلة العمل الدبلوماسي والبحثي والأكاديمي في أمريكا، وقد عكست طبيعة العمل تلك وتحديات تلك الفترة والرغبة في معرفة "الأنا" والثقافة السائدة للمكان والزمان والسياسات الحاكمة، وقد أصدرت خلالها ثلاثة أو أربعة كتب حول النظام السياسي وآليات عمله في المجتمع الأمريكي والقوى الفاعلة والمؤثرة في قرارات السياسة الخارجية في تلك المرحلة.

أما في المرحلة الثالثة فقد أوليت اهتماماً للبحث والكتابة في تنمية وبناء العنصر الدبلوماسي، تلاها فترة للتعمق في فكرة كيفية بناء العنصر الدبلوماسي الفكري، الثقافي، التفاعلي والأمني وغير ذلك، ثم تشعبت هذه الاهتمامات إلى قضايا عربية مختلفة، وكانت فكرة بعض الكتب تبدأ بمقالة تحمل عصارة فكرية لأطورها مع مرور الوقت لتتحول المقالة إلى كتاب. ثم بدأت فكرة الإصدارات تتسع لتشمل الجانب الثقافي ومناحي أخرى ذات أبعاد قيمية وفلسفية وأخلاقية في مجتمعاتنا العربية.

وما هي أخصب مرحلة عمرية لديكم من حيث العطاء الفكري والأدبي والاجتماعي؟

سيرة العطاء الفكري والثقافي تُراها موزعة بين سطور كافة كتبي، لم أنعزل عن واقعي المعيش وعشت فعلاً طوال مرحلة الشباب وتكويني الفكري المبكر وصولاً إلى مرحلة "الكهولة" وأنا مشغول ومثقل بهموم قضايا الفكر، الهوية الوطنية، قضايا الإنسان العربي بأبعادها السياسية والاجتماعية وتحولاتها المختلفة.

لعل انخراطي في العمل الدبلوماسي من بدء تأسيس دولة الإمارات وعلى مدى الأربعة عقود التالية، عمّقَ لديّ مشروعي الفكري المنفتح على ثقافات وحضارات أخرى وضرورة التفاعل معها بندية، والتعرف على منابعها الثقافية وتحولاتها، وفي العقدين الأخيرين انشغلت كثيراً بقضايا ترمي إلى إيقاظ الوعي العربي بمفاهيم الحداثة السياسية وأبعادها الفلسفية، الأخلاقية والقانونية فضلاً عن تأطير وتعزيز قيم التسامح واحترام الأخر المختلف، وقضايا الهوية الوطنية وأسئلة مبدأ المَواطنة المتكافئة، واستنهاض الأمة العربية وفكرة التكامل العربي والنظام العربي المؤسسي، وكل هذه المراحل متتابعة كانت تخضع للتفكير والتأمل والمراجعة، ولمحاولة فهم أبعاد هذه التحولات وتأثيراتها السلبية والإيجابية على حياتنا في إقليم الخليج والوطن العربي.

كيف ستبدع برسم لوحة بانورامية بالحروف لا بالخطوط لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وصديق العمر، حفظكما الله؟

يطيب لي كثيراً الحديث عن هذه القامة التي حظينا بوجودها بحياتنا بحق، قائد نبيل تمسك بمشروع وطني قومي وإنساني بأبعاده الثقافية والتربوية والعلمية، وهو المعلم المربي الصادق والأمين، وبأخلاق المسؤولية المبنية على فكرة الواجب تجاه الإنسان والأوطان والتاريخ والذاكرة.

عهدنا من سموه الخطاب الدافئ المكتنز بالحكمة والأصالة وزهو القيم النبيلة، وبمرجعية أخلاقية مشبعة بالتواضع والتراحم، وحبه للخير للجميع دون تفريق، ويتصف سموه بكونه دائم الحيوية واليقظة في ممارسات حياته اليومية، وكل من عرف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، أحبه لخصاله الحميدة التي تفيض بها سلوكياته وأفعاله وأفكاره، يحب الخير للناس والوطن، ومحب للثقافة والمعرفة، ولا تثنيه أعباء الحكم وثِقل مسؤولياته عن هذا العطاء الإبداعي، والبحثي، والمعرفي، والعلمي، والتاريخي.

شيخنا وأستاذنا لا يكل في التعمق بنقده ومحاولة تصويبه لكل ما يشوّه تاريخ العرب والمسلمين في سرديات المؤرخين، كبحثه بتاريخ هجرة الأنباط، هجرة العرب في الجزيرة العربية وسواحل أفريقيا وإقليم الخليج العربي. ولا يتوانى أبداً عن تشييد الأيقونات الثقافية كبيت الحكمة في الشارقة بثوبه الحضاري، كصورة متجددة لبيت الحكمة العباسي في بغداد والذي كان قد أسسه الخليفة هارون الرشيد، إضافة إلى تأسيس المراكز البحثية العلمية الثقافية والحوارية وإعلاء شأن اللغة العربية في الداخل والخارج وبناء جسور "لتعارفوا" في عدد من العواصم الأوروبية في إسبانيا وإيطاليا والبرتغال.
وأذكر لفتته الكريمة بترميم المجمع العلمي المصري الذي أحرقه دعاة الإرهاب وجنوده، وإهداءه المجلد التاريخي "وصف مصر" النادر والثمين جداً، كذلك ترميمه لدور العبادة لأديان أخرى، كترميم أقدم كنيسة في أرمينيا. وإصداره المعجم التاريخي للغة العربية وبواقع مئة وسبعة وعشرين مجلداً، هذا العمل سيذكره عليه التاريخ بفخر وتقدير جَم لما له من أهمية لا توصف ولا تقدر لعظمته.

أذكر أني كتبت عن خصال صاحب السمو الكثير الكثير، وهو الإنسان العميق الحس بوطنه وعروبته ومبادئه، والساعي لإضاءة الدرب أمام الآخرين ليسلكوا بيسر بدروب السلامة والمعرفة وحب الخير للناس أجمعين.

تعلمنا منه الكثير من معاني النبل والإرادة والصبر "وكظم الغيظ" على ما يرتجي الصبر دون السماح لليأس من النيل من عزيمتنا، لن أنسى تلك الليلة "القاهرية" عقب إعلان الهزيمة العسكرية العربية عام 1967 وترديدنا معه قوله الموجع "يا ندامة يا بلادي يا ندامة" ولا أعرف ماذا أقول وأقول فكل الكلام لا يفيه حقه؛ فهو القائد والإنسان والأب والراعي الأمين للأمانة بحق وطنه وشعبه الذي بات لقربه من قلبه عائلته الكبيرة، حفظه الله وأطال بعمره وعمر رفيقة دربه سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي.

كيف كان تفاعلكم مع التغير التقني وسيادة ثقافة شبكات التواصل الاجتماعي والرقمنة لكافة مناحي الحياة لاسيما المشهد الثقافي؟

الدكتور يوسف الحسن: أخشى على القيم الإنسانية والتواصل الحقيقي في هذا العالم الافتراضي

أود القول بأني لحد هذا اليوم ما زلت متردداً وعازفاً عن الانضمام إلى مشهد شبكات التواصل الاجتماعي ومنصاته، رغم إيماني وقناعتي بأن لحظة التطور التقني تعمل على إعادة تشكيل الذائقة العامة للإنسان والبشرية أجمع بهذا المجال.

كانت مشكلتنا نحن الجيل المثقف طوال العقود الماضية وما سبقها في كيفية إيصال أفكارنا ورؤانا بعمقها وجمالها وجمال لغتها إلى الجمهور أو إلى الآخر، في الوقت الذي نرى فيه أن المشهد الرقمي الحاضر بوسائل التواصل قد تمكن من حل هذه المعضلة، ولكن قلقي إزاء هذا الواقع بأن المتلقي الرقمي وفي جو هذه التحولات التاريخية بات أقرب إلى الجو المعرفي وأكثر سهولة في نيلها، لكن وللأسف فهي تفتقد للعمق الإنساني. صحيح أننا نقف أمام تحول كبير لإعادة صياغة العلاقة بين فكر وجوهر ثقافي وبين الجمهور، وكثيراً ما تراودني مجموعة من الأسئلة ومنها: هل ستمنح هذه الرقمنة وتداعياتها النص الفكري والثقافي حياةً أخرى؟ وهل ستمنحه محتوىً هادفاً؟ وهل سيقود هذا التحول الرقمي المشهد الفكري والثقافي إلى تحول في الوعي؟ وهل ستحافظ فيه الثقافة على عمقها وجذورها؟

بل كثيراً ما تلج علينا هذه الأسئلة وتقتحم أجواء المنتديات واللقاءات المختلفة ونقاشاتها التي نحضرها، فإن كل من عاصرتهم من أبناء جيلي كانوا قد تلقوا ثقافتهم مثلي من خلال قراءتهم الورقية الهادئة، والمشاركة بالندوات والتفاعل المباشر وليس الافتراضي، سواء كان مع الآخر أو مع الأفكار، بينما جيل اليوم يعيش فضاءً لا نهائياً من المنصات الرقمية، لكنه متلقٍ أكثر مما هو فاعل، مستمع وليس مشاركاً؛ فالمشاركة تقتصر على الإعجاب أو بالتعليقات البسيطة والسطحية، فالتحولات هذه ستكون تاريخية بالأفكار وبالمفاهيم بهذا المجال، فلا شك من وجود الكثير من التحديات أمام هذه التحولات الكبيرة منها ما يغري بالسطحية، التقليد والتبسيط المخل، وبالتالي تكون الخشية من أن تتحول الثقافة إلى سلعة استهلاكية ولكن أحياناً بأسلوب معاصر.

وعليه، ما هو مقترحكم إزاء هذا التحول؟

مما لا شك فيه نحن بحاجة إلى وعي ثقافي جديد وآليات جديدة تولد وتبعث الفكرة بشكل ملهم وتساعد على النهوض بهذا، المهم في حركة جيل اليوم الغارق واللاهث بفضاء الرقمنة أن يحذر من التحول البشري إلى هذا النمط، أي الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذا المنحى أرى بأنه قد يحرمه من التأمل، ويحرمه كذلك من النزعات الإنسانية كالتعاطف والمشاركة الوجدانية الفاعلة، وأتذكر قول الشاعر (خراش) بهذا الصدد من كثرة هذا اللهاث والنشاط بالعالم الرقمي، وكيف أن الفرد بات يمضي الوقت الطويل فيها خلال اليوم:

تكاثرت الضباءُ على خراشٍ فما يدري خراشٌ ما يصيدُ

فمن يدري بأنه حتى هذا الهاتف المحمول سيحال إلى التقاعد يوماً ما، وربما سيحل بدلاً عنه النظارة الذكية كوسيلة التواصل البشري بعالم الغد.

هل لكم أي تصور لشباب اليوم والأجيال القادمة من الناحية الثقافية؟

أخشى أن تعاني هذه الأجيال "الرقمية" التي تعيش يومها بفضاء افتراضي دائم التوالد، وأخشى أن يُحرم البشر من المهارات الاجتماعية مثل التعاطف وضبط النفس وتبدأ معاناة الفقر في القيم والصحة النفسية بذاتها، وأخشى أن تقتصر العلاقات البشرية على هذه الصورة المحدودة من الإجابات والتعليقات التي تغرق الشاشات بها، مما يقود فعلاً إلى اضطراب الهوية بسبب هذا التعرض المفرط في الصور المتنوعة لوسائل التواصل.

وأخشى على هذا الجيل أيضاً أنه سيفقد القدرة على الصبر فلا أدري حقيقةً كيف سيكون حال العقل الجديد لتلك الأجيال اليافعة المقادة بالعالم الرقمي، وأرى أن الحاجة ماسة لخلق التوازن وذلك بين أسس التربية والتعليم السليمة والتقنيات الرقمية من ناحية ثانية، دون إعطاء الفرصة لفقدان الإنسان فضيلة التأمل والذاكرة الطويلة الأمد، مما يعيد ويعزز ثقته بنفسه على الدوام.

هل تجد صورتك بملامح الأبناء والأحفاد؟
الدكتور يوسف الحسن: أخشى على القيم الإنسانية والتواصل الحقيقي في هذا العالم الافتراضي

نعم أجدها في الأبناء وبشكل واضح، لكن في الأحفاد فالصورة ما زالت غائمة، وإني لأخشى من تدفق هذه الصور وتشتت المخ وعمل الدماغ، فعند الجلوس إلى مائدة الطعام فهؤلاء الأطفال لا يستطيعون التحدث مع والديهم وأصدقائهم وحتى أبناء جيلهم دون التطلع إلى شاشة المحمول أمامهم، وملاحظة الإثارة على هذه المنصات لأن هذا الجيل مولود بزمن الإنترنيت، مما يدعوني للتسائل: أين القراءة المتعمقة في هذا اليوم؟ فنحن غير قادرين على إيقاف التقدم التقني ولكننا نستطيع أيضاً أن نُدخل في تربيتنا وتعليمنا معاني القيم الإنسانية والأنسنة، وحث هذه الأجيال على التواصل المباشر وليس الافتراضي فحسب، فهذا بالتأكيد يحتاج إلى وعي ثقافي جديد؛ فعيش الواقع المعاصر يجب أن لا يخل بروعة أنماطنا الثقافية وينال من روعة الفكر الذي عهدناه.

كنا سابقاً نقرأ لنفهم أو نتوصل للفهم، فالقراءة تسبق الكتابة، فبالرغم من أنه بطفولتنا لم تُقرأ لي أو حتى مَن عاصرني من رفاقي قصص الأطفال مثل ما يقرأه بعضنا لأحفادنا من قصص وروايات، علها تحقق لهم التسلية وتبعث بهم النعاس، علماً أني لم أذكر أني قرأت أي قصة للأطفال بطفولتي، بل بالعكس فقد بدأت مبكراً بقراءة الروايات والمدونات الشعرية التي كانت متاحة بمكتبة المدرسة، وكنت أحرص على قراءة مجلة "الآداب" اللبنانية وعرجت على قراءة روايات إحسان عبد القدوس، وتوفيق الحكيم، وجورجي زيدان والمنفلوطي ونجيب محفوظ، لأعكف بعدها بقليل في سبعينيات القرن الماضي على التعرف على الأدب العالمي وقراءة مؤلفات تولستوي، هيمنغواي، دستوفسكي وشكسبير وفيكتور هوغو، وحتى أجاثا كريستي وهربرت ماركوز صاحب كتاب "الإنسان ذو البعد الواحد"، وسارتر، وكنا نقتني من "سور الأزبكية" في القاهرة كتب الجيب التي أثرّت خزينتنا المعرفية وذلك في سبعينيات القرن المنصرم. ولكوننا كنا نقرأها بتعطش فقد حفرت بذاكرتنا وما زلت أذكر الانطباع الثقافي الذي ألفته عن كل كاتب وأعتز به، وهذا ما أفتقده اليوم بجيل الأحفاد والحاضر ككل. القراءة تعطي الإنسان معاني عميقة لحياته تحسن قدرته على التفاعل مع الأفكار والخبرات والثقافات وتعزز مهاراته النقدية والذهنية وتحول دون الذهاب مبكراً إلى شيخوخة العقل والروح.

لتعمقكم بهذا المجال، ما هي المعطيات التي وجدت في البيئة الإماراتية كي يتسيد التسامح وحوار الثقافات على أرضها بكل رحابة صدر؟

للتحدث عن هذه المعطيات علينا الرجوع إلى جذور مجتمع الإمارات عبر التاريخ فيها، موقعها الاستراتيجي الجاذب، سواء كان للقوى السياسية والثقافية المختلفة وبعضها اعتبرته نقطة عبور للهند وكما جرى في الخمسة قرون الماضية وللانفتاح على هذه الثقافات المختلفة.

وكما ذكرتُ بإحدى المحاضرات فإن معبد البانيان المبني بإمارة الشارقة وذلك قبل مئة وخمسين عاماً، كذلك الانفتاح الحاضر بدولة الإمارات هو متاح دستورياً للآخر المختلف بثقافته وعقيدته لإشعاره بالاطمئنان بحرية العبادة على هذه الأرض، فقُدمت له التسهيلات من تخصيص الأرض والإعفاء من أية ضرائب ورسوم، وتشجيع الحوار بروح منفتحة لتقبل الآخرين كما هم عليه، بحيث يضمن العيش بسلام وطمأنينة واستقرار تحت سقف القانون والتناغم والوئام داخل هذا المجتمع.

وبظل ما سميّ "الربيع أو الخريف العربي" وبالرغم من واقع التناغم السائد بدولتنا، فقد تسللت بعض القيم والأفكار وثقافات الكراهية والتعصب تلك التي أدت إلى حدوث الاقتتال داخل المجتمعات العربية، وتلك كان لها أسبابها ومحركات ولاعبين يؤججون تلك النار سواء كان من الداخل أو من الخارج، إلا أن الإمارات وجدت الوسيلة الصحيحة لكيفية مواجهة هذا الفكر العدائي بفكر منفتح ومتسامح لقبول الآخر بعيداً عن التكفير، بعيداً عن التجريم والإقصاء، وبهذا حققت النجاح بهذه السياسة بتشريعات وإنشاء مؤسسة على رأسها وزارة للتسامح والتعايش ومنذ ما يقارب الثمان أو التسع سنوات. والعمل على تعميق وغرس هذه المعاني لدى الأجيال الصاعدة بتضمينها في المناهج التربوية وأسس التربية الاجتماعية مع الحفاظ الدائم على الهوية الثقافية واستقرار المكان وسيادة القانون بهذا الوطن المقتدر.

التعليقات