"إرثي" يوثق جماليات "السدو" في قمة المليار متابع 2026
العدد 165 - 2026
عن "منشورات القاسمي" صدرت أخيراً مسرحية "البرّاق وليلى العفيفة"، الشعرية التراثية الجديدة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي لطالما أتحفت نصوصه قيم التراث العربي، المسرحية وهي من قصص الحب العذري الشهيرة والفروسية والشجاعة في الأدب العربي، مدعومة بخريطة توضح القبائل والعشائر العربية التي عرفت بالنخوة والشرف، مع المصادر في آخر المسرحية.
مما لا شك فيه أن نصوص الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي المسرحية، تهدف إلى دفع جمهور المسرح للمشاركة في التفكير النقدي والتحليل التاريخي والاجتماعي للقضايا المطروحة وخاصة الشعرية منها، فهي تتميز بعدة خصائص ومميزات بارزة، لا سيما تلك التي تتناول التراث والتاريخ.
ويستلهم سموه غالبية أعماله من منبع التاريخ العربي والإسلامي، وتستحضر رموزه وشخصياته البارزة، مع تركيز خاص على التاريخ المحلي لدولة الإمارات ومنطقة الخليج .أي إنها إعادة قراءة للماضي حيث لا تكتفي بالسرد، بل تعيد قراءة الأحداث التاريخية والشخصيات لتسليط الضوء على مكامن القوة والخلل، واستخلاص العبر.
تنتمي المسرحية (النص) إلى سلسلة الأعمال التي كتبها سموه خصيصاً للمسرح الصحراوي، بعد «علياء وعصام» (2015)، و«داعش والغبراء» (2016)، و«الرداء المخضب بالدماء» (2024)، وهي تستلهم القصة التراثية من التاريخ العربي، قصة البراق بن روحان مع ليلى العفيفة، ملحمة العشق والفروسية، التي تجمع بين الوفاء للعهد وحفظ العرض، بطلتها ليلى بنت لكيز ربيعية النسب، بالغة الجمال والعقل، محط خطاب العرب، لكنها تميل في سرها إلى ابن عمها الفارس البراق، من غير أن تخرج على طاعة أبيها أو عرف قومها.
نعود لمتن الحكاية التي تدور أحداثها قبل ظهور الإسلام بمئة وأربعين سنة في بقعة تقع بين أرض الجزيرة الفراتية، وهي ديار ربيعة بن نزار العدنانية، والمقابلة لمدينة شهرمية (الأحواز )، التي كانت عاصمة الساسانيين، فقد كان البرّاق بن روحان، فتى من بني عذرة، معروفًا بفروسيته ووسامته، لكنه كان مغمورًا بهواجس الحب. فقد وقع قلبه أسيرًا لحب فتاة من قومه، تدعى ليلى بنت لكيز بن مرّة بن أسد العَفِيفَة (ت. نحو 144 ق هـ / 483 م) شاعرة عربية جاهلية من قبيلة ربيعة بن نزار وهي ابنة عم البراق بن روحان وحبيبته وزوجته، لم تكن ليلى بالجمال الخارق، بل كانت تتميز بحُسن الحديث وكمال العقل، ولقبها قومها بـ "العفيفة"؛ لعفتها وصيانتها.
وفي يوم من الأيام جاء البراق إلى عمه وقال له بأن ليلى لي لا تعطيها لغيري. فقال له عمه وأين نجد مثلك زوجاً لها فأنت أحق الناس بها وهي لك.
عم البراق كان تاجراً واسمه اللكيز، وكان صديقاً لملوك اليمن، وكان يذهب إليهم بقوافله التجارية في كل عام. فحصل في يوم من الأيام أن ملك اليمن قال له: يا لكيز سمعنا أن لديك ابنة اسمها ليلى تامة الحسن وكاملة الجمال فطلبها زوجة لابنه.
لم يستطع لكيز رفض نسب الملك وخجل من أن يقول له بأنه أعطى كلمة لابن أخيه البراق. وأمام إلحاح الملك وافق لكيز على تزويج ابنته ليلى لابن ملك اليمن. فخرج البراق غاضباً. وهو في الطريق قابل ابنة عمه ليلى، فقال لها البراق هل أنت راضية عن قرار والدك؟ فقالت له لست براضية لكنه قرار أبي وليس باليد حيلة.
فقال البراق: اسمعي يا ليلى، في الليل خذي حوائجك وانتظريني عند البئر لآتي لآخذك وأهرب بك من القبيلة. ولن يلحق بنا أحد من العرب، فجميع العرب تخشاني وتخاف مني.
رفضت ليلى وقالت له: إن ما قاله أبي الذي هو عمك هو قرار سيطبق عليّ وعليك يا براق، وإذا كنت تحبني حقاً فتمنى لي السعادة مع من كنت وأينما كنت، فلن أهرب معك وأفضح أبي بين العرب. ومن ذلك اليوم سميت بليلى العفيفة لأنها رفضت الهرب مع ابن عمها.
غضب البراق وكره قبيلته واعتزل العرب كلها، فخرج الى الجبال وهام على وجهه، وعتب على قبيلته التي لم تثني عمه عن قراره، وحز في نفسه أن القبيلة تحتاجه فقط في الحرب وعندما يحتاج قبيلته في أمر التدخل لدى عمه لم يسانده أحد.
لكن ليلى التي أحبها كانت قد أرسلوها لملك اليم ، لكن وهي في الطريق الى اليمن تم خطفها، من قبل أبناء ملوك فارس. فأحبها ابن كسرى لشدة جمالها، وحاول معها الفارسي فرفضته، فأغراها بالزواج ورفضت، فعذبها عذاباً شديداً واستمرت في رفضه.
فحدث ذات يوم أنها صادفت راعياً على أطراف القصر الذي كانت أسيرة فيه في أرض الفرس، فسألته هل أنت عربي؟ فأجابها نعم أنا عربي، فقالت له هل تعرف البراق ابن روحان؟ قال لها ومن لا يعرف أشهر فارس من فرسان العرب؟! فقالت له سأقول لك قصيدة وانقلها للبراق ، فأنشدت ليلى على مسامع الراعي قصيدة تستنجد بها بنخوة البراق وكليب والزير سالم وكافة فرسان العرب، فنقل عنها الراعي القصيدة التي تقول ليلى في مطلعها:
ألا ليت للبراق عيناً فترى، ما أُلاقي من بلاء وعنى
يا وائلاً يا سالماً يا إخوتي، أسعدوني بالبكى
عذبت أُختكم يا ويلكم، بعذابٍ في الصبحِ والمسا
عذبوني غللوني أهانوني، ضربوا العفة مني بالعصا
هيهات الأعجميُ أن يقربني، ومعي بعض حشاشة الحيا
إلى نهاية القصيدة التي استحثت فيها نخوة قبيلتها وشرف أبناء أعمامها الفرسان وبالذات حبيبها البراق، فعندما وصل الراعي إلى قبيلة ربيعة وألقى عليهم القصيدة لم ينتظر الفرسان انتهاء القصيدة حتى ركبوا خيولهم وركضوا مسرعين إلى بلاد فارس. ولحقت بهم قبائل مضر من تميم وهوازن وغطفان وعبس.
فقاد البراق فرسان القبائل العربية حتى دخل إلى أرض فارس، فبدأت المعارك الطاحنة بينه وبين أبناء الأكاسرة بين كر وفر، طحن البراق جيش الفرس وكسر جنودهم واقتحم أسوارهم وحرر ليلى منهم بالقوة.
كان العرض المسرحي من تقديم فرقة مسرح الشارقة الوطني في أولى أيام مهرجان الشارقة الصحراوي، في صحراء الكهيف/ الشارقة، في فضاء الصحراء، هو تجربة ثقافية تأسست على تراكم معرفي وفني متين. وجاء العرض الذي قوبل بحفاوة كبيرة من الجمهور والفنانين المسرحيين الإماراتيين والعرب، ليؤكد على هذا المسار، مقدماً تجربة مسرحية ملحمية تجمع بين التاريخ والشعر والفرجة البصرية.
تشكل مسرحية «البراق وليلى العفيفة» تجربة مسرحية متكاملة، وبياناً فنياً يؤكد قدرة المسرح العربي على استعادة تاريخه برؤية معاصرة، وعلى توظيف المكان، والإنسان، والتقنية، لصناعة فرجة ذات بعد فكري وجمالي، تحتفي بالقيم الإنسانية الكبرى، لتخاطب الوجدان في قلب الصحراء، حيث يولد المعنى من اتساع الأفق وصدق الرؤية.
ومن الجوانب التقنية اللافتة في العرض، إدخال مشاهد سينمائية ضمن البناء المسرحي، ولا سيما تلك التي تظهر فيها ليلى العفيفة وهي تنشد قصيدتها مستنجدة لإنقاذها من مختطفيها، وأضفى هذا التداخل بين المسرح والسينما بعداً تعبيرياً جديداً، وفتح أفقاً بصرياً مختلفاً، دون أن يخل بتماسك العرض، كما جاء مشهد هجوم البراق وجيشه على القصر وتحرير ليلى ذروة المشهد الذي جمع بين الحركة الجماعية، والمؤثرات البصرية، والإيقاع الموسيقي، ليقدم لحظة مسرحية مؤثرة ومشحونة بالانفعال.
شارك في العرض المسرحي أكثر من 150 فناناً، يتقدمهم نخبة من نجوم المسرح الإماراتي والعربي من بينهم: أحمد الجسمي، باسم ياخور، إبراهيم سالم، أحمد العمري، عبدالله مسعود، محمد جمعة، محمد يوسف، عزة زعزوع، أحمد ناصر، نبيل المازمي، محمد بن يعروف، أحمد يوسف، محمد الغانم، سيد منظور، عبدالله الشعساني، شريف عمر، راشد المعيني، عبدالله عقيل، سارة السعدي، وكان لافتاً ذلك الأداء المتقن والحرفي الذي وصل حد التقمص، مما أعطى العرض زخماً جماعياً مع انضباط إخراجي، أسهم في توحيد الأداء، وجعل الشخصيات تتحرك ضمن رؤية واحدة متجانسة.
التعليقات