الهادي آدم... شاعر الأجيال

الهادي آدم... شاعر الأجيال
الهادي آدم... شاعر الأجيال

١٩٢٦- ٢٠٠٦ رحلة من الإبداع

كان يوم التاسع من ديسمبر عام ٢٠٠٦ هو محطة الختام لرحلة زاخرة بالعطاء والإثراء الأدبي بجميل الكلم الذي شغل أهل الشعر والمغنى... فيه فارقت الروح الجسد تاركة خلفها أحرفاً بلحن الخلود... في ذاك اليوم رحل الشاعر الإنسان كما الغمام يسقط حبيبات من مطر في ليل حالك السواد مثله مثل الرحيل تعقبه الدموع تغشى المقل سواد وحداد. رحل الهادي آدم بعد أن قدم ما شاء له الله أن يقدم من سحر القوافي، رحل تاركاً خلفه شاهداً على أنه كان يسكن في هذا الكون إنساناً عاش ٨٠ عاماً قدم للمكتبة العربية عدداً من الأعمال والإصدارات الحافلة بجميل القصائد ورصين الأوزان، شعر أقرب للحكمة والأقوال المأثورة وداعب معاني الرومانسية والشجن واللهفة.
مات الهادي آدم تاركاً ذكرى جميلة وسيرة عطرة امتدت منذ أطلق الصرخة الأولى وليداً على أرض بكر تجثم على الناحية الشرقية للنيل.. قرية الهلالية بولاية الجزيرة بالسودان.. وعن طفولته قال: "ولدت في قرية أصبحت مدينة الآن هي قرية الهلالية على شاطئ النيل الأزرق جنوبي الخرطوم وتابعة للجزيرة وهي بيئة زراعية تجارية، والمؤكد أن الإنسان يتأثر بمسقط رأسه وموطنه.. والبيئة التي نشأت فيها أهلها أناس بسطاء طيبون يحرصون على الرزق الحلال في الزراعة والتجارة ويؤازر ويشاطر بعضهم بعضاً في الأفراح والأحزان، ويعتبرون كل من ينتمي إليهم جزءاً لا يتجزأ منهم".
نشأ وترعرع فيها وتلقى تعليمه الأولي بالسودان، ليلتحق بعد ذلك بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة بمصر، والتي كانت قبلة طلاب العلم، فنال درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها ثم أعقبه بدبلوم عالٍ في التربية من جامعة عين شمس، ثم منح الدكتوراه الفخرية من جامعة الزعيم الأزهري بالسودان.
عمل الهادي آدم بوزارة التعليم بجميع مراحله، ومن أهم محطاته التعليمية عمله مدرساً بالمدرسة الأعرق، مدرسة حنتوب الثانوية، التي تخرج منها فطاحل الفكر والسياسة، وكان من أبرز الذين ساهموا في نهضة الشعر من خلال الجمعيات الأدبية التي كان يوليها رعاية وتركيز كبيرين، وكذا كان ديدنه في كل مدرسة عمل بها.

الهادي آدم... شاعر الأجيال
الهادي آدم

كل ذلك لم يجعله يهمل منتوج الشعر الذي كان يداهمه من وقت لآخر، مما جعله يتربع مع أقرانه ليس على المستوى المحلي فحسب، بل فاق ذلك لأن يكون في مصاف شعراء العالم العربي خائضاً غمار شعر الحداثة الذي امتاز به رغم انتمائه الزمني لجيل عرف بالحركة الشعرية المعاصرة، وهذا ما أيده النقاد في مباحث شاعريته.
تفاعل الهادي آدم مع مجتمعه بشكل عكسته قصائده المضمنة بدواوين شعر حملت أسماء (كوخ الأشواق) و(نوافذ العدم) (عفواً أيها المستحيل) ومسرحية اسمها (سعاد) والتي أهداها للاتحاد النسائي إبان فترة الاستعمار مثمناً لدور المرأة الطليعي، داعماً لها للتحرر من التقاليد التي تعوق تقدمها وكان ذلك في العام ١٩٥٥.
في بواكير شبابه قضى الهادي آدم ردحاً من الزمان بمصر وكانت له ذكريات عزيزة بحي منيل الروضة سطرها في آخر ما كتب وجادت به قريحته لتحمل ختام روائعه، والتي ألقاها في حفل تكريم إقامته له وزارة الثقافة المصرية بمهرجان الإبداع الإعلامي بمدينة الإنتاج الإعلامي، وقد كانت موضع احتفاء داخل الأروقة الثقافية عائدة بالأذهان للقصيدة التي صاغها وشدت بها كوكب الشرق السيدة أم كلثوم (أغداً ألقاك) وما أشبه الليلة بالبارحة، ما بين ١٩٧١ إلى ٢٠٠٥ جسر من العشق والإبداع ففي التاريخ الأول ردد العالم العربي مع أم كلثوم بمسرح قصر النيل (أغداً ألقاك) وفي التاريخ الثاني كان اللقاء مرة أخرى مع جمهوره ومحبيه بأرض الكنانة.
وكان نظم الوداع قصيدة (لن يرحل النيل) بعدها "الصمت النبيل" و"الرحيل"، ويمكن التعقيب بأن لن يرحل المبدع إلا جسداً وستظل روحه تطل من كل حروف نثرها داخل كل وجدان وجد فيه ضالته وظلت قصائده تُدرس لطلاب المراحل التعليمية يحفظونها بسلاسة وخيال ينقلهم إلى حيث أراد لهم الشاعر أن يكونوا.

لن يرحل النيل
أهذه (مصر) بعد البين قدامي
أم أنها في الكرى أضغاث أحلامِ
هفا الفؤاد للقياها تعاوده
ذكرى ليالٍ خلت فيها وأيامِ
فكم رشفت رحيقاً من معارفها
وكم بآدابها أترعت من جامِ
وكيف لا وهي معطاءُ فرعت بها
شرخ الصبا بين أشياخ وأعلامِ
وكان في (روضة المقياس) لي سكن
في رفقة لي عمرناه لأعوامِ
جئناه من موطن النيلين في شغف
بالعلم ننهل من ينبوعه السامي
حتى إذا اقتضت الدنيا بفرقتهم
رمى ففرقهم أيدي سبا رامِ
والآن من بعد أيام لنا سلفت
وفي الجوانح جرح غير ملتامِ
أتيت أحبس أنفاسي على لهَفِ
وأنثني بين إقدام وإحجامِ
وأصعد الدرج الممتد أبحث عن
دار تركت لديها بيض أيامي
فأجهشت لي جدران لها عرفت
برغم بعد الليالي وقع أقدامي
وكان بالدار ناس ربما عرفوا
هويتي إذ هداهم صدق إلهامِ
فأوسعوا نزلي في الحال بينهم
وأكرموا ذات قربي أي إكرامِ
كذاك أبناء مصر أينما وجدوا
فهم أشقاء تاريخ وأرحامِ
أحبتي في الصبا هل تسمعون صدى
صوتي فقد طال بي وجدي وتهيامي
لولا اشتداد الهوى بي ما أتيتكمو
أجرّ ساقي في ضعف وأسقامِ
فرُبَّ وقفة محزون على طللٍ
بالٍ تداويه من حزن وآلامِ
* *
يا نيل كم غرست كفاك من نضرٍ
ومن حدائق غلب ذات أكمامِ
وكم تغنيت بالأشعار رائعة
على روائع أوتار وأنغامِ
وكم صنعت من الأحجار معجزة
أسرارها أُخفيت فيها بإحكامِ
وكم نقشت على جدرانها صوراً
تمضي القرون وتبقى لغز أفهامِ
كأن ألوانها رغم البِلى رُسمت
بريشةٍ لم تزل في كفِّ رسامِ
يا نيل أنت رجائي في مخاطبتي
فكن رسولي إلى أهلي وأقوامي
وصِل أواصر قربى أنت رائدها
ومد حبل وصال بينها نامِ
وكن على حذرٍ من كيد مضطغنِ
بادي العداوة والأحقاد ظلّامِ
له على الماء عين غير مغمضة
فيما يخطط من جرم وآثامِ
لا يخدعنك إذا استسقاك من ظمأ
فذاك للدم لا المستقى ظامي
وقل لمن يحسبون النيل منتجعا
لهم وليس له من أهله حامِ
ومن إذا قدروا سدوا منابعه
لدى هضاب جرى منها وآكامِ
ومن إذا كانت الأنواء في يدهم
كفوا هدير سحاب فوقه هامِ
وقل لمن جهل التاريخ عن سَرَفٍ
ومن تعلق عن جهل بأوهامِ
لن يرحل النيل عن شطي عمالقة
يوماً ليجري على شطآن أقزامِ

التعليقات