من الواقعي .. إلى الافتراضي.. سقوط الحلم ويقظته

من الواقعي .. إلى الافتراضي.. سقوط الحلم ويقظته
من الواقعي .. إلى الافتراضي.. سقوط الحلم ويقظته

الحلم فعل إنساني يؤكد وجود، يدعم أمل، يبهج نفس، يستشرف مستقبل، ولكل حلم ديناميكيته التي تحدد مسار رحلته من خيال صاحبه إلى أرض الواقع. وهي رحلة منطقية معهودة يبلغ فيها الإنسان من السعادة منتهاها ومن التحقق بعضه أو كله.

لكن، حين هجرت الأحلام موطن ميلادها الأصلي، وهو الخيال، لتبدأ رحلة تحقق زائف في عالم افتراضي لا صوت له أو صورة حقيقية انحسرت الأحلام، ضاقت الآمال ووهنت العزيمة. وكان الانتقال من الحياة الصلبة إلى الحياة السائلة والذي خلفه الوقوع في فخ اللحاق بركب التطور.

ولأن الصلب لا يذوب ولا يفقد خواصه بسهولة، بعكس السائل الذي تضيع هويته بمجرد اختلاطه أو حتى ملامسته لغيره، كانت مؤلفات عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان (1925-2017) (الحب السائل)، (الحياة السائلة)، (الشر السائل)، (الحداثة السائلة)، (الخوف السائل)، (المراقبة السائلة) و (الأزمنة السائلة)، ترجمها جميعاً إلى العربية حجاج أبو جبر. كطوق نجاة حاول خلالها إنقاذ الإنسانية من الغرق في يم السيولة.

وفيها يصف "باومان الأرض التي نقف عليها بالرخوة، ليست وحدها، بل مثلها مثل وظائفنا، وعلاقتنا مع شركاء الحياة حتى إن فكرة التقدم ذاتها قد تحولت من أمل كبير في تحقيق السعادة للجميع إلى واقع مرير. ذلك حين خرج المطلق من قاموس إدراكنا، وسقطت القيم المتمثلة في الأخلاق، الحب، المبادئ، كمعانٍ صلبة لا تقبل المراوغة ولا تتأثر بمجريات الحداثة، في اليم الذي أوجدته الحياة الافتراضية فذابت فيه وباتت نمطية يعيشها الجميع بنفس الروح النفعية ولنفس الأهداف الفردية الاحتكارية. مما أدى إلى استنفاذ كل طاقات البشر في مجتمع سائل لم ينجُ من الاختلاط فيه حتى الزيت بالماء.

وبالتالي الحب بالكراهية، الإخلاص بالخيانة، العطاء بالأخذ، الاحتكار باللانفعية، حيث لم يفرق بين ما هو مادي نافذ وما هو معنوي خالد.

من الواقعي .. إلى الافتراضي.. سقوط الحلم ويقظته

حتى الشر -كما توصل "باومان"- الذي ظل معروفاً في الوجدان الإنساني على أنه عكس الخير، وهو جزء أساس من الخريطة الإدراكية التي ترسم العالم في ثنائيات صلبة متعارضة، كالنور والظلام، الجمال والقبح، الحق والباطل، الإنسانية والبربرية، الحقيقة والخرافة، العلم والجهل.. والتي ظلت تستمد تماسكها من مركز صلب، إلهي أو بشري، يحدد معالمها وحدودها. لم ينجُ أيضاً من أن يتحول من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة.
وهنا يقول زيجمونت باومان: "إذا كانت الفضيلة مجرد قناع لحب النفس، وإذا كان لا يمكن الوثوق بأي أحد، وإذا كان المرء لا يستطيع أن يعتمد إلا على نفسه، فكيف يمكن اجتناب حرب الجميع ضد الجميع؟ هذا هو أول سؤال للحداثة.. صاحبة التكنولوجيا التي ترتدي عباءة الاهتمام بالأمن، مع أنها تُستخدم أساساً لأغراض بعيدة إلى حد ما من اهتمامات السلامة والأمان".

كل هذه التحولات الجوهرية المتداخلة في العالم الذي يصفونه بالمتقدم خلقت وضعًا جديدًا لطرق الحياة الفردية. فما لبث أن أصبح الاستهلاك هو المبدأ القائم والمتغلغل في ثنايا عقل وقلب وروح وفكر الإنسان. عندئذ يؤكد زيجمونت بدء انهيار التفكير والتخطيط والفعل طويل الأمد مما أدى إلى ظهور سلسلة من المشروعات قصيرة الأمد غير مترابطة والتي لا تصب في أي من مفاهيم التطور، التقدم، النضج التي تستلزم سلسلة مترابطة تتمتع بمسار محدد. وبالتدريج انتقلت مسؤولية حل المشاكل المعقدة نتيجة الظروف المتغيرة على كاهل أفراد يتوقع منهم أن يكونوا أحرارًا في اختياراتهم، لكن واقعياً ظلت تلك المخاطر التي تنتج عن هذه الاختيارات الحرة تتجاوز مقدرة الفرد على تحملها وهو الذي يدفع ثمنها.

على الرغم من كل ذلك وشيئاً فشيئاً كما حذر زيجمونت وجدت هذه العقول من يدافع عن وجودها كما فقدت العلاقات الإنسانية ديمومتها وصار كل شيء مرناً قابلاً للتخلي عنه بل وحتى التخلص من الذات نفسها، حيث بات لكل فرد قدرة على تصنيع ذاته الخاصة لتحقيق أعلى درجات السعادة، متجاهلاً الشروط المجتمعية والقيمية للمجتمع الذي يعيش فيه.

لتبقى الكارثة في أن يبتعد الإنسان عن كل تلك الأشياء المزعجة –في تفسيراته الفردية النفعية- دون الالتفات إلى ما قد يضر الآخرين؛ فالحبيب ينهي قصة حبه خوفاً من أن يبذل في سبيل نجاحها بعض مسؤوليات الوفاء والعطاء ثم تفشل لاعتبارات لم ينتبه إليها أو بسبب الطرف الآخر، فيعتبر نفسه بمبدأ السوق خاسراً. أو أن يلفظ الابن والديه لما يمثلانه من عبء نفسي أخلاقي بسبب تلقينهم له طوال الوقت لما يجب وما لا يجب، أو رفضاً لفكرة الواجب ورد الجميل التي تحاصره في علاقته بهما، حتى وصل الأمر إلى الإنجاب بدون زواج تقليلاً من الالتزامات القانونية والمجتمعية وبالتالي تجنب الخسائر.

من الواقعي .. إلى الافتراضي.. سقوط الحلم ويقظته

ويدلل زيجمونت على ذلك بقوله: "حين تتسلل إلى سمعك في القطار المكالمات الهاتفية تجد أن كل المحادثات ليست مقدمة لمحادثات أطول في مكان اللقاء، بل بديل عنها؛ فلا لقاء غير هذا". وأقول: لا أحد يريد أو يحتاج!! غير أنني أعتقد أن هذا يفسر ذلك الوجود الضخم والزائف في ذات الوقت على مواقع التواصل التي أصبحت مجرد وسيلة للتباهي والظهور المكثف والأجوف في آن، وما تجلبه من سعادة لا تتعدى لحظة التقاط الصورة أو كتابة الكلمة ونقلها حيث الفضاء.

عندئذ كان من المستحيل أن يعيش الإنسان نفسه والآخرين في ذات الوقت، وكان عليه أن يختار إما نفسه أو الآخرين. وأصبح سعيه كما يؤكد زيجمونت دائماً ما يؤدي به إلى الامتهان الذي لن يزول بالحصول على الشيء الذى سعى من أجله، بل وبات الإنسان ضعيفاً إلى درجة أنه لم يعد يعرف الزهد كدرجة وعيه بقيمة النفس.

ومن هنا جاء وصف زيجمونت للمجتمع بتعبير (مجتمع صيد) رامياً إلى أن الكل يصطاد الكل وقد يصبح نفس الإنسان فريسة بعد ما كان الصياد، ذلك لأن الثقافة السائلة ليست لها شعب تسعى إلى تنويره والارتقاء به بل لها زبائن تغريهم ليزداد استهلاكهم لكل شيء.

على الرغم من أن القيم الإنسانية كل لا يتجزأ وتفتيت طبقات هذه القيم في مجتمع الحداثة السائلة رهان من أهم رهانات باومان الذي دافع عنه باستماته، أقول: أخشى أن يأتي على الإنسان يوم يسعى إلى البحث عن ذاته الحقيقية من جديد بعدما افتقد الأمن والطمأنينة تكون المسافات قد تباعدت ليس بينه وبين من يريد منهم ذلك، وإنما بينه وبين المعاني ذاتها فيشعر بالاغتراب نحوها بل ويصبح غير متأكداً من أنها موجودة أصلاً أو أنها ستعرف طريقها إليه يوماً، بل قد يصل الأمر بالبعض لأن يصبح غير متأكداً أنه لا يزال يحتاجها بذات القدر السابق، ولا يجني في رحلة البحث هذه إلا مزيداً من الخوف واليأس والقلق، تلك المشاعر التي يتغذى عليها، كما يقول زيجمونت، مجتمع السوق لزيادة الأرباح المادية وتسمين غول الاستهلاك مع مزيد من الخسائر في العلاقات الاجتماعية والمشاعر الإنسانية.

ما لم يقله زيجمونت باومان: هل تمثل تلك النقلة بين عالمين أحدهما واقعي والآخر افتراضي أزمة نفسية يصعب تجاوزها.

نعم، ذلك حين ظن المبحرون في يم الحداثة أن الاستثمار في علاقة (كالحب) استثمار خاسر وغير آمن، بل وأصبحت كلمات كالحب الوحيد أو الأوحد لا تعني غير ضيق الأفق والغباء العاطفي.

بينما ومنذ بدء الخليقة وحتى تقوم الساعة يبقى الحب كمنقذ وحيد، الحب كما عاهدناه وعاهدنا، وذلك أن تجد نفسك كاملة في شخص آخر ويجد نفسه فيك، أن تحادثه عبر أثير الهواء فتصل كلماتك بمعانيها غير منقوصة، أن تشعر بوجوده في المكان قبل أن تراه عينيك، أن يتوحد كيانك بكيانه ويصبح كياناً واحداً.

انهض وابحث في داخلك عن ذلك الممكن الواقعي حتى يعود الخط البياني للحلم في حياتك إلى الصعود.

التعليقات