يوميَّات امرأة مُسنَّة.. أمل...

يوميَّات امرأة مُسنَّة.. أمل...
يوميَّات امرأة مُسنَّة.. أمل...

أملُ هي المرأةُ الأُولى التي عرفتُها هنا في الشارقةِ، وأوَّلُ صاحبةِ سكنٍ من كلِّ البيوت التي تنقلتُ بينها، وأوَّلُ مَنْ خدعني أيضًا. لم تَدُم معرِفَتُنا طويلًا، كنتُ قد اتَّفقتُ معها قبلَ مُغادرةِ "كازابلانكا" عبرَ إعلانِها في "أمازون" عن توفر مسكن للإيجار، فقد أعلنتْ عن تأجيرِ غرفة بمسكنِها، واتَّصلتُ بها عبرَ "واتساب"، وأرسلتْ لي صُوَرَ الغرفةِ والمطبخِ والصالةِ، الغرفةُ مُريحةٌ للعينِ على طِرازٍ حديثٍ، مُرتَّبةٌ وأنيقةٌ، أعجبتني، واتَّفقنا على أنْ أُعطيَها مبلغَ ألفَيْ درهم، بما يُعادلُ شهرًا مُقدَّمًا فورَ وُصولي، ووافقتْ.
ومنذُ الوهلةِ الأُولى لي في السكنِ، تغيَّرَ كلُّ شيء؛ فقد فتحَ لي البابَ رجلٌ، تسمَّرتْ قَدمايَ لحظةً على البابِ ولم أستوعِبْ، وحسِبتُ أنَّني أخطأتُ في رقمِ الشقةِ أو في الطابقِ، فتراجعتُ مُعتذرة، لولا أنَّها أسرعتْ من الداخلِ مُرحِّبةً، خَطَفتني من ذُهولي مُمسِكةً بيدي تسحبُني للداخلِ وكأنَّها تجرّني جَرًّا. رائحةُ الهواءِ مُعطَّرةٌ والبيتُ أنيقٌ وواسعٌ جدًّا، غُرفٌ عديدةٌ مُغلَقةُ الأبوابِ لم تقتربْ منها، ومشينا ثلاثتُنا نحو الغرفةِ بينما يحملُ الرجلُ حقائبي، كيفَ يُشاركُني مَسكَني رجلٌ غريبٌ؟!
عرَّفتني بالرجلِ في مُحاولةٍ منها لكسرِ الصمتِ بيننا: "علاءُ زوجي"، والتفتتْ لهُ قائلةً: "مدام سلوى جارتُنا الجديدة"، وأكملتْ بسرعةٍ: "مغربيةٌ ومُدرِّسةُ فنونٍ من كازابلانكا من بن أحمد". لم أتردَّدْ في إخفاءِ بعضي، فلم أكنْ مُستعِدَّةً لأنْ أكشِفَ عَنِّي لأيِّ مِمَّنْ أُقابلُهم، خاصَّةً الغُرباءَ.
مُؤكَّدٌ أنَّها خدعتني، ولم يكنْ زوجُها من بينِ بُنودِ اتِّفاقِنا. عصفتِ الأفكارُ برأسي وعلا صوتُها، حتّى تصوَّرتُ أنَّهم يسمعونَني فيمَ أُفكِّرُ. رُحتُ أُراجعُ حديثَها معي عبرَ "الواتساب"، بينما أخطو مدفوعةً داخلَ البيتِ، مُرهَقةً من أثرِ الرحلةِ والانتظارِ بالمطارِ، مذهولةً بينما تُشيرُ هي لمُحتوياتِ الشقةِ، المطبخِ النظيفِ المُنظَّمِ، الحمّاماتِ، وغُرفتي الـ"ماستر" لها حمّامُها الخاصُّ، بدأتْ تفتحُ وتُغلقُ التلفزيونَ والبرّادَ، والتكييفُ مركزيٌّ في المبنى.
تُراوِدُني ذاكرتي وحِوارُها معي، هل قالتْ لي إنَّ زوجَها معها؟ ولكنَّهُ لا يأتي إلَّا على النومِ... نعم... رُبَّما اعترضتُ حينها واستفسرتُ منها، وردَّتْ أنَّني لن أشعُرَ بهِ ولن ألقاهُ ولو صُدفةً، وتعهَّدتْ لي بذلك... وصدَّقتُها!
استقبلني الرجلُ بحفاوةٍ زائدةٍ، منعني التعبُ والمُفاجأةُ من التعبيرِ، فأردتُ إرجاءَ كلِّ شيءٍ لليومِ التالي. أمامَ الغرفةِ وقفتْ مُبتسِمةً وسلَّمتني مفاتيحَها الثلاثةَ، مدَّتْ لي يدَها في حركةٍ فَهِمْتُ منها أنَّها تُريدُ النُّقودَ، شعرتُ بحَرَجٍ، ففتحتُ حقيبتي ونفَّذتُ ما يخُصُّني من الاتِّفاقِ، وأعطيتُها 400 دولارٍ أَيْ ما يُوازي ألفَيْ درهمٍ على حِسابِ البنكِ، وقبلَ ذهابِها لم أنسَ الاستفسارَ عن القِبلةِ للصلاةِ، ثم أحضرتْ لي سِجَّادةً أيضًاً.
مرَّ وقتٌ قليلٌ، الساعةُ الثالثة عصرًا، وارتميتُ على السريرِ غارقةً في النومِ، لم أشعرْ بما حولي وكيفَ نِمتُ وبأيِّ حالةٍ، حتّى أيقظني صُراخٌ بالخارجِ، ميَّزتُ بينهم صوتَ طفلٍ صغيرٍ يُوقِظونَهُ ليذهبَ للمدرسةِ بخِناقٍ!! نظرتُ في هاتفي كانتِ الساعةُ الرابعةَ فجرًا... تخترقُ أصواتُهم الجُدرانَ.. ما هذا؟! شيءٌ مجنونٌ حقًّا. قُمتُ مُنزعِجةً من السريرِ، أتألَّمُ نفسيًّا وذهنيًّا، فلا مِزاجَ لديَّ لاحتمالِ تلكَ الضوضاءِ الصباحيَّةِ ولا غيرِها، وقرَّرتُ المُغادرةَ، لا مَفَرَّ من ذلكَ.
تحرَّكتُ ببُطءٍ، وجلستُ أُرتِّبُ ذِهني، مُمتنَّةً لأنِّي ما استعجلتُ بتفريغِ حقائبي بعدُ، فكيفَ أدخلُ المطبخَ أو أستقبلُ إحدى صديقاتي مثلًا... دُرتُ بالغرفةِ، فالوقتُ لم يَزَلْ مُبكِّرًا للخُروجِ إليهم، وعليَّ التعاملُ مع الحالِ بضع ساعاتٍ. شعرتُ بالجوعِ، لم يُؤذِّنِ الفجرُ بعدُ... كانَ هناكَ "كاتِل"، وقُمتُ لأرى ما أحضرتُ من مشروباتٍ وغيرها مِمّا حملتُهُ معي. أخرجتُ الحلوى من حقيبةِ يدي، والشايَ المغربيَّ، وبعضَ المُكسَّراتِ، والبسكويتَ بالحبوبِ والأعشابِ، وتناولتُ فطورًا على صوتِهم الهادرِ، الذي توقَّفَ فجأةً مع صوتِ ارتطامِ أحدِ الأبوابِ، ليعمَّ الهُدوءُ التامُّ كلَّ شيءٍ، وبدأتُ أسعدُ قليلًا وأستمتعُ بالفِرارِ.
فتحتُ النافذةَ التي تُطِلُّ على ميدانٍ بالقُربِ من مَعرِضِ الفُنونِ، والذي سوفَ أقصِدُهُ كثيرًا في جَولاتي القادمةِ.. وعاودتني ذِكرياتٌ تركتُها ورائي، وذكَّرتُ نفسي بقرارٍ سابقٍ لي، وهو الفِرارُ من كلِّ شيءٍ يخُصُّني بشكلٍ مُطلقٍ، يعني إنكارَ حقيقتي، حتّى رُبَّما أعملُ بغيرِ الفنِّ. اضطربتْ نفسي، طردتُ الأفكارَ من رأسي، مُرجِئةً اتِّخاذَ قرارٍ الآنَ. مرَّ الوقتُ ساكنًا، رُحتُ أُجرِّبُ كلَّ شيءٍ في الغرفةِ، البرّادَ والحمّامَ وأوضاعًا مُتغيِّرةً للكرسيِّ، كيفَ أضعُ حاملَ الرسمِ وأينَ، ووجدتُ مكانَهُ المُناسِبَ في مُواجهةِ النافذةِ بينَ السريرِ والدولابِ... هنا أيضًا مسافةٌ مُناسِبةٌ للصلاةِ.
الكنبةُ مُريحةٌ، طِرازٌ حديثٌ مُناسِبةٌ للنومِ، إنْ غلبني النومُ بعدَ القراءةِ.. حيثُ تفتقِدُ الغرفةُ إلى مكتبٍ لأُرتِّبَ كُتبي وأوراقي.. واخترتُ أنْ أضعَها في الرَّفِّ الأعلى من الدولابِ، وفعلًا نظَّمتُ كلَّ شيءٍ، وكأنِّي نسيتُ قراري الذي اتَّخذتُهُ منذُ ساعاتٍ قليلةٍ بالفِرارِ.
كانتِ الغرفةُ حقًّا مُريحةً وهادئةً جدًّا. أينَ ذهبَ الجميعُ؟ فتحتُ البابَ خِلسةً للذهابِ للمطبخِ لمَلْءِ الـ"كاتِل" بماءٍ مُفلْتَرٍ، وعُدتُ بسُرعةٍ لأُعِدَّ مائدةً من الجُبنِ وقِطَعِ الفاكهةِ وشرائحِ التُّوستِ المغربيِّ بالشوفانِ والحبوبِ. لم آكلْ شيئًا، فقد سرحتُ في ابنتي أمينةَ المُقيمةِ في دبي، وكيفَ سيَصِلُها خبرُ أنِّي هنا، ورُبَّما أخبرَها إخوتُها.. مرَّ وقتٌ طويلٌ منذُ آخِرِ حِوارٍ بيني وبينها، فحذَّرتني من الحُضورِ لدبي لأسبابٍ أعلمُ أنَّها غيرُ حقيقيَّةٍ، فرُبَّما أحبَّتْ إبعادي عن دائرتِها لمزيدٍ من التحرُّرِ.. وطردتُها وقُمتُ لصلاةِ الفجرِ.
أزحتُ السجّادَ لِيَفرُغَ مكانُ الحامِلِ، ورتَّبتُ بعضَ لَوحاتي بجِوارِ الدولابِ، هنا يمكنُ أنْ... طُرقَ البابُ لِيُخرِجَني من حالتي، وعادَ الضجيجُ مرَّةً أُخرى أشدَّ قسوةً، فقفزتْ في رأسي فكرةُ الفِرارِ من هذا المكانِ المُزعِجِ والنجاةِ بنفسي والمُغادرةِ. كيفَ نسيتُ أنِّي قرَّرتُ ذلكَ بالأمسِ، كيفَ؟!
فتحتُ البابَ بعدما ارتديتُ باروكتي لإخفاءِ شَعري الأبيضِ، فإذا بـأملَ مُرتديةً ملابسَ مُحتشِمةً بشكلٍ لافتٍ، قائلةً: "كُنَّا في مدرسةِ حازمٍ، أشكرُكِ ومرحبًا بكِ... ونعتذرُ عن الإزعاجِ".
كنتُ واجمةً لا تعبيرَ ولا حركةَ. كيفَ وبأيِّ شيءٍ أتحدَّثُ... تحدَّثتْ أملُ كثيرًا: "اليومَ من حظِّكِ الأحدُ إجازةُ علاءٍ من المصنعِ، وصوتُهُ العالي أزعجكِ أكيدٌ".
قلتُ أخيرًا: "نعم، لم أتوقَّعْ، وأنتِ لم تُخبرينني...".
قاطعتني: "سامِحينا، لكنَّهُ سيَنزِلُ بعدَ ساعةٍ".
قلتُ: "عُذرًا، أنا سأبحثُ عن مكانٍ آخَرَ، من فضلكِ رَتِّبي لي لأستعيدَ نُقودي واخصِمي منها...".
قاطعتني مُمسِكةً بيدي شِبهَ مُتوسِّلةٍ: "أُستاذة سلوى، أنتِ لا تعلمينَ كيفَ أنَّكِ أنقذتني بهذهِ النُّقودِ، فقد دفعتُها مصاريفَ مدرسةِ حازمٍ ابني، لولاكِ لتركتُ البلدَ، وعُدتُ لمصرَ وتركتُ علاء وحدَهُ هنا، أنتِ وقعتِ لنا من السماء".
شعرتُ بحَرَجٍ وآلمتني قدمي من طولِ الوُقوفِ، فدعوتُها للدُّخولِ وتحرَّكتُ للداخلِ لأُخفيَ الحامِلَ واللَّوحاتِ، بينما بقيتْ هي على بابِ الغرفةِ قائلةً: "بيننا كلام وجلسات كثيرة، أنا أعشقُ المغربيَّاتِ وتعرفت على أشخاص من كلَّ الجنسيَّاتِ هنا، وكانتِ المغربيَّات أقربَ الناسِ لقلبي، أكيدٌ سنكونُ أصدقاءَ. تعلَّمتُ منهُنَّ أطبخُ الطاجينَ والبسطيلةَ، سأُعِدُّها لكِ غدًا وتقولينَ لي رأيَكِ".
أسرتني أمل وأسكتتني بلُطفِها وذهبتْ.. وعُدتُ للسريرِ أُعاودُ ترتيبَ ملابسي، ومرَّتِ الليالي في عُزلةٍ تامَّة بالغرفةِ التي بقيتُ بها أُسبوعًا لم أُغادرْها، ولم أتناولِ الطاجينَ ولا شيئاً مِمّا طبختْهُ. لا أتذكَّرُ كيفَ اعتذرتُ لها وتهرَّبتُ من مُلاحقتِها لي، لكنَّني وجدتُ نفسي آكلُ وأنامُ وأُصلِّي وأتحدَّثُ للنافذةِ.. لم أفعلْ شيئًا إضافيًّا طوالَ تلكَ الأيَّامِ، وقرَّرتُ ألَّا أُعلِّقَ ولا أنتبهَ لِصُراخِ وضجيجِ تلكَ الأُسرةِ الزائدِ، والتي اعتقدتُ معَ الوقتِ أنَّهم مجانينُ، فهم لا يكفُّونَ عن العِراكِ ليلَ نهارَ.. حتّى جاءتْ ليلةٌ، رأيتُ مِقبضَ بابِ الغرفةِ يتحرَّكَ وهناك مَنْ يُحاولُ فتحَهُ خِلسةً. دقَّقتُ النظرَ مُقتربةً ببُطءٍ من البابِ، ونظرتُ في الهاتفِ كانتِ الساعةُ الثالثةَ. هل تُريدُ أملُ سرقتي مثلًا؟ تلاعبتْ بيَ الظُّنونُ، ونظرتُ للمُجوهراتِ التي أرتديها، فرُبَّما هي التي أوقعتني في هذا الفخِّ، ورُبَّما زوجُها... انقبضَ قلبي وشعرتُ بدُوارٍ ولم أنطِقْ بكلمةٍ.

التعليقات