"شماريخ" قصص البيئة التراثية المحلية بذاكرة طفلية

"شماريخ" قصص البيئة التراثية المحلية بذاكرة طفلية
"شماريخ" قصص البيئة التراثية المحلية بذاكرة طفلية

كيف نسجت الكاتبة د. آمنة الظنحاني قصص مجموعتها "شماريخ" الصادرة عن دار ارتقاء للنشر الدولي والتوزيع في مصر، في 140 صفحة؟ وما أهم الفنيات التي اعتمدت فيها على بطولة الذاكرة وحكاياتها الذاتية والاجتماعية؟

تنتقل الكاتبة إلى مداخل الذاكرة لتحكي عن أهل قريتها الصغيرة "قدفع"، التي تصفها: "حاضرة البحر من جهة الشرق مستقبلة الجبال باتجاه "مدحاء"، على يمينها تقع مدينة "خورفكان"، وعلى يسارها قرية "مربح"، قرى متراصة وكأن الواحدة تمسك بيد الأخرى".

وتبدو القصص مثل تلك القرى، إحداها تمسك بالأخرى، وتدور حول تضاريس القرية الحياتية من ذات ومجتمع، وأسلوب حياة، وطريقة تفكير، ويوميات معيشة (قبل) و(بعد) الاتحاد، بحس وطني وإنساني، وصدق موضوعي ترك لعفويته الحكائية والسردية طريقة الكلام عن الحياة المحلية بفرحها وأحزانها ورحلات أهلها بين الصيف والشتاء، وما تسجّله الطفلة كبطلة وراوية وضمير متكلم عبْر (11) قصة، تبدأ من "خوف اجتاح القرية"، وتنتهي مع "على تلك الصخور علقت ذاكرتي"، وكل ذلك ضمن فضاء مكاني ينمذج القرية كصورة مصغرة عن الإمارات وبيئتها وطبيعتها وتراثها وأهلها وصفاتهم وعلاقاتهم المتراحمة المجتمعية والإنسانية، بفضاء زماني يمتد لأكثر من 60 عاماً مضت، ويستمر في الحاضر، مع إضاءة على الأبعاد النفسية والموضوعية، بلغة بسيطة تناسب منطوق (الطفلة ـ الراوية) كضمير متكلم يحكي القصص، ويتخفّى وراءه ضمير الكاتبة المعتمدة في بنيتها الحكائية على شبكة محبوكة بالكثير من الأحداث الأقرب إلى التوثيق والتسجيل والوصف والتصوير والسيرة والتعبيرية والواقعية.

وتسترسل الكاتبة الظنحاني مع ضمير الطفلة معتمدة على زاوية تبئير "الراوي العالم بكل شيء"، مستعيدةً بطريقة "الأثر الرجعي ـ الفلاشباك"، عالم البيئة القروية المحلية، ومفرداتها وعواملها المتحركة مع السرد، وحضور اللغة بوظيفتها التوصيلية الحكائية، إضافة إلى الفنيات الدلالية التي استطاعت أن ترسم من خلالها وصفاً خلاقاً مناسباً لبعض المشاهد، مثل ما ورد في القصة الأولى "تشعر وهم داخلون إلى القرية يحملون معهم البحر في ذاته، فرائحتهم فيها رائحة كل أنواع الأسماك التي يصطادونها" ص15، وليتها حذفت "في ذاته" لكانت الكثافة الدلالية أجمل، ونلاحظ فنية الجملة القصصية في مواضع أخرى، منها ما يعتمد على تضاد المتناقضات دلالياً، مما يولّد انعكاساً وصفياً خلّاقاً، بين الاشتعال والانطفاء، مثل قولها: "كانت جميع فنارات القرية قد أشعلت، وقلب أسرته مطفأ لا يضيئه إلا عودة الطفل لأبويه"ص20. وتصف دمعتها بشفافية في القصة الثانية: "مسحتها فامتزجت بالتراب العالق بيدي لترسم خارطة تشبه خارطة شاطئنا المتعرج"ص30. وعندما تريد الانعطاف بالحدث وزمانه تجدها تقارنه بدلالة إسقاطية محورية كما في هذه الجملة من القصة الرابعة: "فهي ليلة ليست ككل الليالي في حياتي، انعطافة تاريخية لا تقل عن انعطافة الوطن عام الاتحاد"ص51، وكم كان التعبير شفافاً وهي تصفه بضياع أشبه بجنازة مستقبلها: "أبحث في تلك الليلة حالكة الظلام عن درب النور الذي ضاع من الكثير من فتيات تلك المرحلة القاسية من عمرنا، ضعت وضاعت جميع أحلامي، أحسست أنني أمشي في جنازة مستقبلي الذي رسمته في مخيلتي"ص58.

كما تنشغل القاصة بالتراث الإماراتي المادي وغير المادي، فهي تتحدث عن بيوت القرية ومعمارها ومواد بنائها، وموقعها، وطقسها، ومفرداتها الموروثة من ألعاب الأطفال لجيل مرّ عليه أكثر من نصف قرن، حاكية عن البنية الاجتماعية المتعاونة كعائلة واحدة في القرية، واصفة أعمال الرجال الموزعة إلى البحر والنخل ورعي الماشية، وأعمال النساء وانشغالهن بتربية الأطفال وانتظار الرجال وحلب الأبقار والأغنام وجمع البيض وإشعال الحطب وعمل الرقاق، بينما تذكر أن دور الأخت الكبرى أو الأخ أن يتفقد الأطفال بعد المغرب، إضافة إلى حضور قصص الجن، و"الخراريف" الشعبية، وشخصياتها التي تخيف الأطفال مثل "أم سليموه".

ونلمس ذلك في قصص المجموعة، ومنها القصة الأولى المتمحورة حول الخوف المفاجئ الذي رافق فقدان الطفل "سعيد"، وتشابكات القلق والأوهام والحيرة والتخيلات التي صاحبت والديه وأهل القرية طيلة تلك الليلة، إلى أن تتوقف سيارة ومعها خبر مشؤوم، لأن الطفل كان جثة فقئت عينها، دون معرفة أية تفاصيل عن الخاطف والقاتل كما تصرّح الكاتبة وهي تربط الحاضر بالماضي، وتتمنى لو تستعين بالكاتبة الإنكليزية آجاثا كريستي لتجد الحل، لكنها تقول: "لكن، للأسف، توفيت عام 1976، وما زالت قصة الطفل حتى كتابة هذه القصة لغزاً حير الجميع"، وليتها توقفت عند هذه الجملة لتظل فنية القصّ عالية، ولم تكمل الخاتمة بكلام عادي.

وتسترسل مع قصتها "سمكة عملاقة" لتحكي عن أحلام الطفلة بضميرها المتكلم "الطوي"، و"وسط الحارة" وبحر "مربح"، ناقدة سلطة الأب بقسوتها، النابعة من سلطة العائلة والقبيلة، وذلك قبل قيام الاتحاد، لأنها تغيرت مع قيام الاتحاد وتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وما تلاها من تطورات مستدامة.

واللافت أن القصة تدخل لأعماق الطفلة من خلال تساؤلها النفسي: لماذا رمت نفسها أمام موقد الحطب؟ وسؤال الكاتبة عن أي الأساليب أكثر إفادة في التربية وتكوين أسرة مثالية لا سيما في عصر التواصل الاجتماعي؟ وأنا أتساءل: لماذا تنتهي القصة رغم عمقها بطريقة الخاطرة والمقالة؟

وتتواصل الأبعاد الاجتماعية مع القصص الأخرى، مثل قصة "غريق الحوض" وبطلها "أبو سالم" الأعمى، الذي يتحدى مرارة العيش بعمله، ويشد "اليازرة" متفاعلاً معها لدرجة أنه لا يسمع إلّا صوتها، لكنّ الحدث لا يكمل حكايته، بل يذهب شارحاً عن المزرعة والمصيف ليدخلنا في أجواء المقالة الخبرية، لتعود إلى مدار حكايتها مع موسم الحصاد، وتوزيع الرطب لفئات وكيفية التخزين والاستفادة من تفاصيل النخيل، وتعود لشخصية البطل الثلاثيني الهادئ المولود ضريراً، المتزوج من ابنة عمه وله 3 بنات وولد، إلاّ أن الكاتبة تنقصهم واحدة في المتن: "والأمل يحدوه في ساعة العودة للبيت ليلثم ابنتيه وابنه سالم" ص41. وبينما الجميع منشغل بأعبائه، يلحق الصغير سالم بأبيه، مغافلاً أمه، يتسلق جدار الحوض قرب أبيه الذي يشم رائحة ابنه حواليه دون معرفة السبب، وينزلق في الحوض مستغيثاً دون جدوى إلى أن يمر "أبو مايد" وينقذه، وتساهم الخالة "عوشة" الستينية في معالجته لافتة إلى تقصير المبصرين، لتخبرنا القصة أن بطلها الآن حي يترحم على والديه والحكيمة عوشة.

تتسم القصص كما نلاحظ بلغة عادية، تنقل واقعاً معيشاً من الذاكرة إلى الصفحات، بخلفية مجتمعية متحركة بمشاهدها بين المسرحة والحكي والتصوير، ليعيش القارئ عوالم البيئة، ومنها قصة "لمعت رغم كل الظروف"، حيث تكمن المفاجأة مع قيام الاتحاد ألا وهي تدريس البنات والتعليم وانعكاس فرحة "فاطمة" القائلة: "كنت أعلم أن عالماً جديداً ينتظرنا هناك خلف الجبال، هناك تختبئ ذواتنا" ص59"، إلى أن سجلت في المدرسة وتخرجت من جامعة الإمارات، لتختتم: "عرفت بعد تلك الليلة الظلماء كيف يجد الواحد منا ذاته"، وهكذا، وجدت الفتيات مع الاتحاد ذاتهن وهن يمضين في طريق العلم والمعرفة.

وبالمقابل، هناك حكايات أقرب إلى السيناريو بصيغة حكايات متناسلة من حكاية، مثل قصة "حورية الطوي" وقصة "الأرض الخصبة" ورحلتها السنوية المتوارثة منذ آلاف السنين بين "قدفع" و"خصب"، مشكّلين قافلة المحبة المتواصلة إلى يومنا.

كما تسترجع القاصة الحياة قبل (الاتحاد)، ومعاناة السعي إلى المزيد من الرزق وأحزان الاغتراب في الكويت أو السعودية، في قصة "غربة زمن القسوة"، وكيف يمر غياب الأب عن الطفلة الساردة بحالة نفسية لم يعد فيها للوقت أهمية، وتبدو إيقاعات الزمن كثيفة الحركة في الجملة القصصية التي تتشكّل بصورة جمالية بين عالم النفس وعجلات السيارة: "وبدأت العجلات تقلب الزمن نحو مصير غامض لا يعلمه إلاّ الله"ص87.

أمّا الشتاء فيظهر كخلفية تصويرية في قصة "ولدت جنية"، وبطلتها الجدة المولّدة ـ القابلة "أم علي" السبعينية، المرأة الشاملة كمطوعة وغاسلة النساء المتوفيات، وواصفة للأدوية، وحكّاءة ومعلّمة قراءة وكتابة، والتي تحكي بمنطوقها المحلي عن الناس وأعمالهم بين النخيل والمزارع والبحر، بينما تنظر إليها القاصة الصغيرة على أنها قوية وتحب العمل وتريد أن تتعلم منها الإرادة، وتستمع لحكايتها عن توليدها لجنية بأسلوب تعبيري خرافي.

ونذهب في رحلة أخرى مع قصة "حنين القيض" إلى أنحاء الإمارات وكرم ضيافة أهلها وقيمهم بين خيم في الطبيعة تمتد في "مربح" و"دبا"، وغوص في دبي والشارقة، ومزارع وتخييم في العين ورأس الخيمة وأم القيوين والفجيرة وأبوظبي.

أمّا صفات شخصيات المجموعة، فتتسم، غالباً، بالسمرة ومواجهة التحديات بشهامة، مثل شخصية والد الطفلة القاصة التي تصفه كبحار مقدام و"كل حصوة أو رملة تعرف نغمة خطواته"ص126"، بينما أدوات صيده فمصنوعة يدوياً، وله خبرته بتوقيت الليلة القمرية المساعدة على اقتراب السمك من السطح، مع أداء أغاني البحر الشاحذة للهمم، وتختتم القصة ببيت للمتنبي: "إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام".

وفي القصة الأخيرة "على تلك الصخور علقت ذاكرتي" تظهر مرحلة التحطيب مع النسوة المنتظمات كسرب لا يخالف تعاليم كبيرات السن، وكيف يمضين بين ضحكات حلوم وسوالف عويش ورائحة النباتات والدروب الجبلية، وكيف يفقدن "ابنة الشايب" التي كانت مع "شيخة" لينقسمن إلى 3 مجموعات بحثية، فيجدنها ملتصقة بالجدار وأمامها ثعبان أسود خطير، وبينما يضعن خطة الإنقاذ، تلمح عفراء "أبا عبيد" الذي يساعدهن، ويتسلل من خلف الصخرة مشيراً لابنة الشايب أن تظل هادئة، إلى أن يقتل الثعبان، وتنتهي القصة مع حكاية مستقبلية: "تحدّث غداً أبناءها عن قصتها مع ثعبان الجبل".

أخيراً، نذكر أن البيت الشعري في بداية مجموعة "وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر" ليس للشاعر أحمد شوقي، بل لابن عربي، وهناك من ينسبه إلى التلمساني أستاذ ابن عربي، كما أن صورة الغلاف كانت مناسبة بلقطتيها القديمة والحديثة.

التعليقات

فيديو العدد