قبول الآخر طوق النجاة

قبول الآخر طوق النجاة
قبول الآخر طوق النجاة

سألتني صديقتىي الإنجليزية منذ أكثر من ربع قرن عن أهم الممارسات اليومية للمرأة العربية وخاصة فى مصر. ولأن الكلام كان غير جاد تماماً قلت: "تتابع عن غير كسل ودون ملل المسلسل العربي الذي تقدمه القناة الأولى في التلفزيون المصري في السابعة والربع من مساء كل يوم، كما تحرص على الاتصال بوالدتها وصديقاتها بمجرد خروج زوجها إلى الصلاة في يوم الجمعة لتشكو لهن همومها".

وعندما أعادت عليّ السؤال بعد عدة سنوات، وجدتني أتحدث عن امرأة أخرى وكأنني لست صاحبة الدعاية السوداء التي رفضت ذاكرة صديقتي أن تطويها مع الأيام بينما نسيتها أنا.

انطلقت في حماس: الزوجة الآن تتابع البرامج السياسية على الفضائيات المختلفة وربما أجرت مداخلة هنا أو هناك غير أنها تقضي يومها تلهث وراء الأخبار على المواقع الإخبارية الإلكترونية، وربما نسيت تماماً مشاهدة المسلسلات، بل لم تعد تستهويها مشاهدة الأفلام وبرامج الترفيه التي أصبح لها أكثر من قناة خاصة.

صحيح أنها ما زالت تلاحق زوجها أينما ذهب في عمله، مع أصدقائه، وعند والدته، ولكن ليس لتحيطه برعاية مصطنعة هدفها الوقوف على تحركاته بالتفصيل، وإنما لتخبره بما فاته من أخبار وأحداث، وقد يتناقشان عبر الهاتف في تداعيات الأمر، بالإضافة إلى أن كل زوجة أصبح لها صفحة خاصة على فيسبوك تطرح فيها أفكارها وتناقش مع أصدقائها مستجدات الموقف.

حتى النوادي أصبحت مكاناً للنقاش، بعد ما كانت مكاناً لقضاء الوقت والتحدث حول أخبار الموضة ووصفات الرجيم.

أليست هذه كانت بداية مبشرة للخروج بالعلاقة الزوجية من المآزق الشكلية التي كبلتها لسنوات وسجنت طرفيها في حديث طويل مبالغ فيه عن حقوق وواجبات وهمية اخترعها كل طرف ليضمن لنفسه مكانة زائفة دون أن يضمن للعلاقة المعنى الحقيقي للسعادة والاستقرار؟

إن تغير الاهتمامات والانشغال بنشرات الأخبار، والأمور المصيرية والجادة، والاهتمام بالثقافة والسياسة والاقتصاد، كل ذلك خرج بالزواج في مصر، وربما في المنطقة العربية كلها، من دهاليز وممرات ضيقة كادت تفقده الحياة، إلى عالم أوسع يقبل الاختلاف دون أن يفسد الود، وعادت الصداقة بين الزوجين.. الصداقة كمعنى وحيد لضمان استقرار العلاقة ودوامها على درجة عالية من التفاهم والانسجام.

ويبقى السؤال: لماذا ارتضينا الصداقة عند الحديث في الشأن العام ورفضناها عند الحديث في القرارات الأسرية؟ لماذا جاء إيمان كل طرف بحقوق الآخر وانتماءاته السياسية غير مثير للجدل، بينما قد يصل النزاع بينهما إلى حد الانفصال لو أن أحدهم أخذ صديقاً لا يتوافق مع الآخر أو له معه مواقف سلبية؟
ولماذا لا ينسحب هذا الإيمان بحرية التعبير إلى داخل الأسرة ويكون الهدف واحداً، ألا وهو صالح الأسرة ثم المجتمعات.

ولماذا نلاحظ اليوم تفاقم المشاكل الأسرية وارتفاع نسب الطلاق بشكل كبير؟

فهل نأمل أن تعود الابتسامة الهاربة من البيوت ويعم الاستقرار النفسي والعاطفي بين جنباتها؟ فما أحوج الأسرة العربية إلى الترفع عن تلك الممارسات التي لطالما اشتد حولها الخلاف وبذلت من أجل تسويتها الطاقة وخفق بسببها الأمل ودب الملل وضاع الحلم في غفلة من طرفيها الأصليين!

فماذا لو وضعنا أسساً جديدة لحياتنا الأسرية؟ ماذا لو قرر كل زوج ألا ينسى عيد زواجه؟ ألا يتجاهل عيد ميلاد زوجته؟ وأن يكف عن استخدام الكلمات الجوفاء عن الحقوق والواجبات؟ ماذا لو قررت كل زوجة أن تنزع تلك الغيرة الساذجة من أم زوجها أو ذويه بوجه عام؟ ماذا لو سعدت كل زوجة بسعادة زوجها مع أصدقائه ولم ترهن تلك الجلسات على الوفاء ببعض المتطلبات المنزلية وكأنه الذنب يكفر عنه؟

ماذا لو عاد كل زوجين الآن ليجمعهما حلم الشراكة من جديد وعملا معاً على نجاحه؟ إنه الالتفاف من أجل القضاء على كل ما من شأنه السطو على أحلامنا وتهديد طموحاتنا وتبديد طاقاتنا وتفريغ الأشياء من معناها، وليكن شعار الأسرة الجديد في أمتنا العربية: لن تعيش الكلمات على حساب المعاني.

أليس غريباً أن يجد الزواج ككلمة مجردة من يدافع عنه ويسعى إلى بقائه وخلوده تحت سطوة التقاليد والأصول والشكل الاجتماعي ويخرج كمعنى قائم على التكامل وكأرض خصبة لسعادة الفرد والمجتمع من حسابات البعض فيرضون به شكلاً بلا مضمون؟!

أقول لكل زوجين: حاربا فلول الأفكار السلبية، ولا ترضيا عن حلمكما بديلاً، فأشباه الأحلام مهما ارتقت وتطورت لن تصل إلى روعة الحلم الأصلي.
فقط عودا إلى حلمكما وتمسكا بتحقيقه.

التعليقات