موضي بنت محمد الشامسي: الأسرة ليست بيوتاً هادئة فقط.. بل هي مصانع للقيم

موضي بنت محمد الشامسي: الأسرة ليست بيوتاً هادئة فقط..  بل هي مصانع للقيم
موضي بنت محمد الشامسي: الأسرة ليست بيوتاً هادئة فقط.. بل هي مصانع للقيم

خلاصة غير عادية نرتشفها بفرح من الحديث مع ضيفة مرامي سعادة الشيخة موضي بنت محمد الشامسي، عن الأسرة الإماراتية ورؤيتها بمستقبلها الواعد، رغم التحديات الكثيرة والخطيرة التي تواجهها الأسرة بالعالم أجمع، فهمي مطمئنة لثقتها بقوة الحصانة التي تسعى دولة الإمارات لتوفيرها لـ"الأسرة" ولقوة المنظومة المؤسسية المتخصصة التي تعمل على تحقيق ذلك. ولأنها شخصية متميزة ومتمكنة من مفاتيح تخصصها المهني، تراها تتحدث بثقة متناهية عن تباشير المستقبل للأسرة الإماراتية بحيث لا تقوى عليه أي تحديات أو مخاطر تفرضها تطورات العصر المتسارعة… فلنتأمل معاً الواقع الجميل ونتفهم أبعاده من خلال الحوار التالي..

كيف سخرتم قوانين علم النفس ونظرياته للتعامل مع الأسرة بكل همومها؟

لا توجد أسرة بلا هموم ولكن هناك أسرة لا تمتلك الأدوات لتجاوز تلك الهموم، لذلك دراسة علم النفس تساعدنا في إعطاء الأدوات العلمية للتعامل مع الضغوط والخلافات والصحة النفسية، لذلك نعمل على أن تكون الأسرة نظام واحد لأنه إذا عانى أي من أفرادها من أي مشكلة، فلا بد أن تظهر آثارها على بقية أفراد الأسرة، فبدورنا نعمل على دراسة الأسرة بأكملها ونعالج ديناميكيات الأسرة وليس فقط السلوك.

وبمعرفتنا لما جاء في دراسات علم النفس ونظرياته، كنظرية التعلق ونظرية العلاقات والعمل على الاستفادة منها نتمكن نحن العاملين في هذا المجال من حل المشاكل التي توجهها الأسرة. وكذلك هناك قوانين كقانون التواصل النفسي داخل الأسرة الذي يساعد أفراد الأسرة على معرفة أنفسهم ومعرفة كيف يراهم من حولهم والعديد من النظريات التي لو تحدثنا لما كفى الوقت في شرح مدى وكيفية الاستفادة منها.

ما هي المحفزات والدوافع التي غذت روح التمّيز والشفافية التي توسمتم بها خلال مسيرتكم المهنية؟

هناك الكثير من المحفزات والدوافع التي أهمها القيم الذاتية المتمثلة في وجود رسالة شخصية والإيمان بها، وإنني رأيت أن العمل ليس مجرد وظيفة بل هي رسالة سامية رسالة حياة أنا مؤمنة بأنها تسهم في خدمة المجتمع وهذا الإيمان هو الذي يبعث طاقة عجيبة، طاقة مستمرة تجعلني أعمل دون انتظار لأي مقابل.. ولا ننسى أن القائد لا بد أن يمتلك ضميراً مهنياً وشفافية أخلاقية. ولا بد أن نعلم أن هذه الشفافية غير مكتسبة بل هي نابعة من الشخص نفسه. لذلك جعلت هذا الأمر قيمة مؤسسية وليس شعاراً فقط.

أحببت التعلم وعشقت القراءة التي كانت هي السلاح في أن أعمل بطريقة سليمة.. أشارك أستمع مما يعود عليّ بالتطوير الذاتي.. كنت أرى أن كل إنجاز له خطوة نحو مستوى أعلى وليست النهاية.. اعتمدت في الأساس على إحساسي بالمسؤولية تجاه الآخرين، لذلك كنت أهتم بالإنسان الذي يعمل معي وأرى فيه مشروع قائد جديد لديه إمكانات تدفعه للنجاح.

موضي بنت محمد الشامسي: الأسرة ليست بيوتاً هادئة فقط..  بل هي مصانع للقيم
كيف يمكن للأسرة أن تعكس صورة إيجابية للمجتمع الكبير بكل مكوناته؟

الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع، كذلك تعتبر المدرسة الأولى التي تتكون وتتشكل فيها القيم والسلوكيات في الأسرة ، تُصنع فيها الشخصيات القادرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين في المجتمع.

لذلك تصبح الأسرة مرآة تعكس الصور الإيجابية أمام المجتمع، من خلال القيم والأخلاق وثقافة الحوار والتربية الواعية والمسؤولية وكذلك من خلال مشاركة الأسرة في الأنشطة المجتمعية كالأعمال التطوعية أو برامج التوعية، ولا ننسى العلاقات الصحية في المحيط الخارجي كالجيران واحترام الخصوصيات وتقدير التنوع في المجتمع.. وكذلك دور الأسرة في تمكين أفرادها وخصوصاً فئة الشباب، وذلك بأن تهتم الأسرة في تطوير مهاراتهم وتحقيق طموحاتهم.

وعلينا ألا نتخطى اهتمام الأسرة في المحافظة على الهوية والقيم الوطنية، وكذلك الاهتمام بالصحة النفسية عن طريق اهتمامها بالاستقرار النفسي والدعم العاطفي هنا تكون الإيجابية، وعليه تكون هناك القدوة الحسنة لأن الأسرة ليست بيوتاً هادئة فقط وإنما هي مصانع للقيم ومنصات للتفاعل وبوابات للمجتمعات المتماسكة.

هل العمل لتنمية الأسرة هو مهمة معقدة، ولأي مدى؟

في اعتقادي أن هذه المهمة متعددة الأبعاد قد نشعر بصعوبتها لتداخل أمور كثيرة فيها، منها جوانب نفسية، اجتماعية، اقتصادية، صحية، تعليمية وأخلاقية كذلك. وهنا تتغير وتختلف احتياجات كل أسرة؛ فلكل أسرة ظروفها المختلفة، هناك أسرة عاملة وأسرة ممتدة وأسرة من ذوي الدخل المحدود، وهذه الاختلافات تشير لنا إلى أنه لا توجد وصفة تناسب الجميع وإنما تختلف باختلاف ظروف الأسر ونوعها، لذلك تتعامل المؤسسات مع الأب - الأم - الأبناء - المدرسة - الجهات الصحية - الجهات القانونية، ولا بد أن نأخذ نحن الذين نعمل في هذا المجال بعين الاعتبار البيئة الاجتماعية والوضع الاقتصادي، والثقافة السائدة ووسائل الإعلام بأن الأسرة لا تنمو بمعزل عن هذه الاعتبارات، ولا ننسى أن قضايا الأسرة قضايا حساسة تحتاج لخبرة وحكمة واحترام للخصوصيات ومهارات اتصال عالمية، فتنمية الأسرة ليست مشروع قصير الأجل، وإنما عملية مستمرة تتطلب منا المتابعة والتقييم والتعديل وقياس الأثر الطويل الأمد.

لذلك أقول "هي مهمة معقدة" للحد الذي يجعلها من أهم وأرقى المجالات الاجتماعية لأن التعامل فيها يتم مع الإنسان؛ لذلك لا بد من وجود رؤية واضحة، قيادة حكيمة، فرق عمل مؤهلة وشراكات اجتماعية وسياسات واستراتيجيات مبنية على العلم.

هل تزايد مستوى التحديات الأسرية اليوم إلى درجة "المواجهة الحربية" مع معطيات الواقع الحالي؟

الإجابة عن هذا السؤال العميق القوي هو أن التحديات الأسرية اليوم ليست حربية من وجهة نظري، إنما مواجهة استراتيجية معقدة تتطلب من المجتمع وعياً كبيراً ويقظة وتخطيطاً دقيقاً.. أعتبرها حرباً ناعمة لأن الأسرة تجد نفسها أمام ضغوط مثل التطور التقني (هواتف ذكية، ذكاء اصطناعي، محتوى غير منضبط) وللأسف فإن المجتمع يعتبر هذه الأمور أدوات ترفيه، ولكن بالنسبة للعاملين في المجال الأسري نراها قوى مؤثرة على الهوية والقيم والسلوك، وكذلك هناك ضغوط تظهر في العلاقات داخل الأسرة مثل (ضعف الحوار ، انشغال الوالدين، تباعد الأجيال) مما يضعف الروابط الأسرية وكذلك الضغوط الاقتصادية وتغير القيم، لذلك هي حرب في القيم، والوعي وهي مواجهة حضارية تحتاج منا إلى قيادة أسرية واعية، وبرامج دعم مؤسسي، وتربية قائمة على العلم، وتمكين الوالدين، واستراتيجية حماية ذكية.

موضي بنت محمد الشامسي: الأسرة ليست بيوتاً هادئة فقط..  بل هي مصانع للقيم
كيف تتماشى رؤية منظومة العمل الحكومي مع واقع الأسرة المتأثر بالتغيرات الرقمية المتسارعة الخطى في يومنا هذا؟

لقد فتحتِ بهذا السؤال باباً يأخذنا إلى عالم مخيف.. من وجهة نظري فإن تكامل منظومة العمل الحكومي مع واقع الأسرة الرقمي لا بد أن يعتمد على الاستباقية والمرونة والتمكين، هذه ممكنات لوضع سياسات قوية ونحن في دولة الإمارات على وجه العموم والشارقة على وجه الخصوص، نعتبر أن الأسرة هي محور التنمية لذلك السياسات مبنية على (جودة الحياة، الصحة النفسية ومهارات المستقبل، الحماية الرقمية، استدامة التماسك الأسري) لذلك الأسرة هي شريك وليست متلقياً، لذلك تتماشى رؤية منظومة العمل الحكومي مع واقع الأسرة عبر سياسات ذكية وقوية، وبرامج تمكين مدروسة، شراكات، تخطيط استباقي، حيث يكون هناك تكامل قوي.

كيف تتفاعل المؤسسات الحكومية المعنية بالأسرة لتتبلور رؤيتها بشكل قوانين تخدم الأسرة؟

أن نعمل على سياسة صياغة القوانين ليست عملية إدارية بحتة، فهي مسار متكامل يبدأ من واقع الأسرة الذي تعيشه وينتهي بإطار تشريعي يطبق على مستوى الدولة. حيث يتم رصد الواقع الأسري ويتم تحليل التحديات عن طريق الدراسات البحثية والمسوحات الاجتماعية، وكل هذا يسهم بأن تكون لدينا بوصلة لما يحتاجه المجتمع على مستوى التوعية والحماية والتشريعات. وكذلك نؤكد أهمية تفاعل المؤسسات الحكومية لينتج عنها تشريع هذه القوانين الداعمة كمسار علمي تشاركي.

أنا أرى أن القانون الأسري لا يكون من خلال مكاتب مغلقة وإنما من خلال صوت الأسرة وبيانات المجتمع ، ورؤية القيادة، وتكامل الجهات الحكومية.

ضمن نطاق مسؤولية إدارة التنمية الأسرية، كيف يصاغ العطاء المهني ليترجم بصورة حضارية إيجابية لعموم أسر الشارقة؟

الشارقة هي الأسرة والمجتمع، والتنمية للأسرة في مجتمع إمارة الشارقة لا تقاس بحجم الجهود فقط وإنما بنوعية الأثر، ورقي الأسلوب، ومدى انعكاس العمل على جودة حياة الأسر من خلال تحويل الخدمة إلى قيمة مضافة وليست مجرد إجراء، فالتي نقدمها للأسرة هي قائمة على الروح الإنسانية الراقية التي تعتمد على احترام الخصوصية - سرعة الإنجاز - حلول مبنية على المعرفة وهنا ستشعر الأسرة أنها تستحق الرعاية، فهي ليست ملفاً ورقياً فقط لذلك حرصنا على كفاءات متخصصة – تأهيل مستمر – فهم عميق لاحتياجات الأسرة ، استخدام أدوات تقييم حديثة لجعل الخدمة أكثر دقة وقرباً من الواقع، حيث نقدم برامج توعية فعالة، ومبادرات استباقية وخططاً طويلة الأمد.

نحاول ونعمل على أن يكون التواصل على مستوى راقٍ من خلال لغة محترمة، إصغاء، مراعاة، ودعم يعزز الثقة. في مؤسستنا العطاء المهني يصاغ عبر رؤية تقوم على الإنسانية، والمهنية، والعلم، والشراكة.

ما هي أهم وأصعب مشكلة أسرية صادف أن قمتم بحلها وكانت غير تقليدية؟

خمسة وعشرون عاماً من العمل في المجال الأسري يجعلني لا أفتح صندوق المشاكل الأسرية أبداً وذلك احتراماً لمبدأ الخصوصية واحترام أصحاب هذه المشاكل لذلك أستميحكم عذراً في الإجابة على هذا السؤال.

من أجل المهنة التي أعمل فيها، ولكن أود أن أطمئن القارئ أن مؤسستنا هي حضن كبير، فيه من المهنية والاحترام والتقدير والعمل الجاد من أجل الأسرة في وطننا الغالي.

ممتنة لله أنه وضعني في هذا المجال لأعمل جاهدة في دعم الأسرة وأفرادها.

إلى أي مدى باتت نظريات علم النفس واقعية رغم تتطور المعطيات الاجتماعية؟

النظريات في علم النفس لم تفقد واقعيتها لكنها قد تحتاج إلى تحديث الأدوات وتجديد التفسيرات وقراءة البيئة الرقمية، من خلال هذا الأمر تصبح النظريات ليست فقط واقعية بل أكثر قدرة على فهم الإنسان المعاصر بكل تعقيداته.

موضي بنت محمد الشامسي: الأسرة ليست بيوتاً هادئة فقط..  بل هي مصانع للقيم
إلى أي مدى ما زالت نظريات علم النفس الاجتماعي صامدة وقادرة على تفسير التغييرات الاجتماعية بظل عصر العولمة؟

العولمة وما أدراك ما العولمة بالرغم من أنها قد فرضت علينا إيقاعاً سريعاً وغير متوقع في المجالات الاقتصادية والثقافية والرقمية والقيمية، إلا أن نظريات علم النفس الاجتماعي لا تزال صامدة إلى حد كبير لأنها تستند إلى مبادئ إنسانية ثابتة في طبيعة السلوك الاجتماعي فهي تفسّر الإنسان كما هو وليست مرتبطة بزمن أو ثقافة، لذلك هي قادرة على تفسير التغيرات وقادرة على التنبؤ بها وصياغة حلول ذكية لها.

كيف تسعى إدارة التنمية الأسرية لتوعية الأسر بمخاطر الذكاء الاصطناعي وبالأخص، تأثير الألعاب الإلكترونية الموجهة للتأثير على المراهقين لسلوكيات سلبية كالانتحار وكما تطالعنا اليوم بأمثلة عنها وسائل الإعلام؟

في ظل التطور الرقمي المتسارع، تدرك مؤسسة التنمية الأسرية أن حماية الأطفال وخاصة المراهقين، من مخاطر المحتوى الموجّه أصبحت واجباً وطنياً وأخلاقياً. لذلك نعمل من خلال منظومة عمل متكاملة تربط بين التوعية والوقاية والتمكين لرفع جاهزية الأسرة أمام هذه التحديات، ولا ننسى الدعم النفسي ومن خلال هذه المنهجية تتحول المعرفة إلى درع للأسرة وخط دفاع قوي.

كلمة شكر وعرفان لِمَن يستحقها بتفعيل عمل الأسرة التربوي في دولة الإمارات والشارقة تحديداً؟

الحمد لله الذي منّ علينا بنعمة الأمن والطمأنينة وجعل من وطننا الإمارات نموذجاً حضارياً يحتذى به في رعاية الإنسان والارتقاء بالأسرة. لذلك أتوجه بالشكر والعرفان إلى كل من أسهم في تفعيل عمل الأسرة التربوي، وعلى وجه الخصوص في إمارة الشارقة التي اختارت أن يكون الإنسان وعائلته في مقدمة أولوياتها، وأن تعمل على رسم سياسة واضحة ورؤية أوضح ورسم وتخطيط برامج ومبادرات.

أشكر من هذا المنبر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، وأشكر قرينة سموه، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع؛ على أن جعلا من العمل الأسري مشروعاً حضارياً في إمارة الشارقة من خلال الثقة والدعم، وكذلك على تأكيد أن العمل الأسري ليس واجباً وظيفياً فحسب وإنما هو رسالة إنسانية ووطنية.

التعليقات