الطفل الموهوب بين المسؤولية والغرور

الطفل الموهوب بين المسؤولية والغرور
الطفل الموهوب بين المسؤولية والغرور

لا شك أن وجود طفل موهوب أمنية تتمناها كل أسرة وحلم جميع الآباء، ومن ناحية أخرى نجد أن ظاهرة الطفل الموهوب قد لفتت نظر المفكرين والمربين منذ أقدم العصور، وحاول بعضهم أن يقدم تفسيرات شتى لهذه الظاهرة، كما استخدمت مصطلحات عدة للدلالة عليها، كالعبقرية والنبوغ والإبداع. ويرى البعض أن الموهوب يختلف عن المبدع، فالموهوب هو الذي يملك قدرة عقلية عالية، أما المبدع فيتسم بالإنجاز الجديد الأصيل.
وفي الواقع فإن الأطفال الموهوبين ذخيرة يجب أن تصان ولا تبدد، فهم القوة التي تدفع البشرية إلى الأمام، وهم القلم الذي يكتب التاريخ، وهم وديعة الوطن وثروته، ومن هنا تمثل رعاية الموهوبين الأساس ونقطة الانطلاق، وما يتم صرفه على فئات الموهوبين لا يضيع هباء، بل يظهر مردوده بعد سنوات عدة في مختلف مجالات الحياة.
وتتساوى أهمية النشأة النفسية المتوازنة لدى الطفل الموهوب من قبل الأهل مع ضرورة الدعم المادي لتلك الموهبة، وتعد خصل كالغرور والتباهي الزائد من أشد العوامل التي إن لم يتم تداركها مدمرة لموهبة صاحبها علمية كانت أو فنية.

موهبة الرسم

وصال محمود أم لخمسة أبناء؛ أربعة بنات وابن واحد ورثوا عن والدهم وجدهم موهبة الفن التشكيلي وما تفرع عنها من فن لرسم الكرتون وأفلام الأطفال حباهم الله بتلك المواهب التي ورثوها كما أسلفنا ضمن العائلة، وتسرد وصال لمرامي رحلتها في التربية والدعم قائلة: "لم يكن الحمل سهلاً وسط مجتمع يعتبر التفوق الدراسي والدراسي فقط هو معيار الطفل الناجح، لم يكن كل أبنائي متفوقين دراسياً، لكنني كنت مؤمنة بكل فرد منهم، خاصة وأنا أرى بذرة الموهبة التي حباهم الله بها جميعاً بمجرد ما بدأوا بإمساك قلم التلوين والدفتر، كل منهم له لمسته الإبداعية الخاصة".
وتكمل وصال موضحة: "تجاهلت كلام وتعليقات المحيطين بي فما دام أطفالي مقبولي المستوى الدراسي ويحرزون نجاحات جيدة كل عام فلا بأس، وهناك الأهم الذي ينتظرهم في مقتبل الأيام القادمة أراه ولا يدركه كثيرون، والدهم حفظه الله ساعدني في مشواري معهم ولم يستمع لكلام أهله والمحيطين وأعطاني الثقة المطلقة عندما لمس مع مرور الوقت حوله وجود أبناء موهوبين مبدعين في مجالاتهم بارين بنا يتعاملون مع مجتمعهم بنفسيات إيجابية متوازنة".

لا للمبالغة

وتتفق فتحية القرني مع وصال أن من يظن بأنه ختم مجالاً تفوق فيه إنما هي بداية الفشل والانطفاء، وتوضح لمرامي بقولها: "يعتقد معظم الآباء في العالم كله أن تكرار كلمات التشجيع والمبالغة في تقدير الأبناء ينعكس بالإيجاب على الطفل ويزيد ثقته بنفسه ويشعره بالتميز ويدفعه للتفوق سواء الدراسي أو في الحياة بشكل عام، ويفعل الآباء ذلك إما بشكل غريزي بطبيعة الحال، حيث يشعر كل الآباء بتميز أبنائهم عن الآخرين، خاصة أن اعتقادهم أن هذا الإطراء لا يؤذي الطفل في شيء، بل على العكس يشعره بالزهو، لكن أحدث الدراسات التي ناقشت أثر التربية على سلوك الأبناء وتكوين شخصياتهم، خلصت إلى أن الآباء الذين يفرطون في المديح الزائد لأطفالهم يقومون دون قصد منهم بزرع الغرور والنرجسية في الطفل مما يؤدي لمشكلات نفسية لاحقاً عند البلوغ".

غياب الدعم

علاء محمود موهبة لم تغتر بكثرة المديح من قبل الأهل ولكنها للأسف لم يحالفها الحظ لتلقى بيئة تدعمها بالتعليم وذلك بسبب النشأة لدى عائلة لم تؤمن بأهمية العلم، فالفتاة تتزوج في سن صغيرة، والشاب يترك الدراسة لمساعدة والده في عمله. علاء حباه الله بموهبة عشق الديكور والإبداع فيه عبر تقنيات الإضاءة وإصلاح أصعب الأعطال الكهربائية، لم يكمل تعليمه إلا أن أفراد ورشته الفنية يطلقون عليه لقب "المبدع" في مجال عمله الذي ينافس فيه كثيراً من مهندسي الديكور الحاصلين على شهادات أكاديمية، وعندما سألته "مرامي" هل يتمنى إكمال دراسته أكد بقوله: "أتمنى ذلك لكن ظروف الحياة وضغوطات العمل تمنعني على الأقل في الوقت الحاضر من ذلك، لدي طفلان في السادسة والثامنة عاهدت نفسي على تقديم الدعم الذي حرمت منه سابقاً ليحققوا ما لم أحققه أنا".

في الختام يحثنا ديننا الحنيف على أن نربي أبناءنا على التواضع المتوازن دون انتقاص من النفس فرسولنا صلى الله عليه وسلم قال: "من تواضع لله رفعه".

التعليقات