الطفل الموهوب بين المسؤولية والغرور
العدد 165 - 2026
"كانت تريد أن تعيش لتقرأ كلَّ ما طُبع على ورقة، في صفحةٍ من كتاب، على رفّ مكتبة؛ حتى تكتب عنه. وهي المشدودة بوجهٍ يشي بقلقٍ من وقع الكلمة المكتوبة، والمستَمِعة الشاردة إلى المفردة المنطوقة، والمانحة كل ظلٍّ تحمله للفظ مصطلحٍ ما علنًا أمام الكاتبات المحرومات من الكتابة. تلك التي امتلأت حياتها بالكتب وعاشت في المكتبات وبين المكتوبات، كأنها ورقةٌ كاملةُ الانغماس بين كتابٍ وصفحاته، حتى اعتادت سماع أصوات شخصياتها، لينصحها معالجها النفسي بالابتعاد نهائيًا عن القراءة، وترتجف حقيقتان بين عينيها الغائرتين: المعرفة مرة والخيال مرات؛ فمِمَّ كانت تخاف فرجينيا وولف؟"
وُلدت أدالاين فيرجينيا ستيفن في عائلةٍ فيكتورية، بمنزلٍ أرستقراطي لوالدين من أرفع شرائح الطبقة الإنجليزية: أب بريطاني الجنسية من الأدباء النموذجيين بين رجال إنجلترا، وأم من أصولٍ هندية عملت عارضةً للحركة الفنية المعروفة باسم ما قبل الرفائيلية. نشأت بين ثمانية أطفال من الأشقاء وغير الأشقاء، في أسرةٍ مدمجة من زيجاتٍ سابقة، وقد قرر الأهل أن يُقتصر التعليم النظامي على أولادهم بينما فُرض التعليم غير الأكاديمي على جميع بناتهم.
من مكتبة البيت ناصرت حياة الكاتبات، وتشجعت لتعلن عن حلم حياتها: تريد أن تصبح كاتبة أيضًا! فشرعت في تحرير صحيفة «هايد بارك غيت نيوز» العائلية، توثق فيها الحكايات المسلية والمواقف المضحكة بقلمٍ ساخر. ساندتها أخواتها غير الشقيقات بطباعة شيء من أعمالها في دار نشرٍ امتلكنها، الأمر الذي ساهم في تشكيلها الأدبي وتكوين وعيها النقدي من خلال مراجعاتها المبكرة، خصوصًا فيما يتعلق بحرية المرأة الواقفة على القراءة والكتابة بين الطباعة والنشر، وهكذا أصبحت على تواصل مع أوائل النساء الإصلاحيات في الحركات التحررية.
كانت أدالاين فيرجينيا ستيفن واثقة بطموح عقلها الذي يتفاعل مع الفكرة الكبيرة، لينتهي بها الأمر أن تكون متعلمة ذاتيًا، إلى حدٍّ يتجاوز المألوف في مثل تلك الأيام. أما في مثل هذا اليوم، فقد أصبح من السهولة التعرف إليها فورًا بمجرد النظر إلى بورتريه يُظهِر صورتها، تحمله البطاقات البريدية ويُباع في الطرقات، تعثر عليها في أي مكان وتجدها في كل الأماكن، تستمر بالظهور في غيابها، وإن كنت حتى لا تبحث عنها، لأنه في الحقيقة ثمة أكثر من فرجينيا وولف واحدة.
*كانت لفظة تطلق على النساء اللواتي يدافعن عن قضايا المرأة بمعنى سيدة مسترجلة.
استمرت في إنتاج أعمال غير تقليدية، مرةً باسمها الحقيقي ومرةً باسم مستعار، كفعلِ مقاومةٍ لأيّ محاولةٍ تُجمدها في قالبٍ واحد. فهناك المُراجِعةُ النقدية، وكاتبةُ المقالات، والأديبة قاصةً كانت أم روائية، ومسجِلةَ الرسائل، ومدوِنةُ اليوميات، وصاحبةُ المذكرات، ومؤرشِفةُ الأحداث؛ وللقارئ أن يختار كيف يقرأ فرجينيا وولف.
إنها واحدةٌ من أعظم الملاحظين وصنف الكُتّاب النوادر في الأساليب السردية بوفرة مدهشة، عرفت متى تضع الفاصلة بين الكتابة عن الذات والكتابة عن الآخر، كامرأة استعملت الكلام كِتابةً في زمانها، وإن كانت تظهر على عجلةٍ من أمرها، تكتب وتختصر وتدمج بسرعة، كأنها تريد أن تقول كلَّ شيء قبل نقطة النهاية، وتحتار بعد كل فقرةٍ عمّا إذا كانت قد انتهت فعلاً مما أرادت قوله أم أنها انتقلت إلى حديثٍ آخر.
وهذا كشف عن طبع نَهمِ القراءة لديها، فكانت تسمح بالاستماع إلى الصوت الذي بداخلها وكانت تنصت إلى الصوت الذي نسمعه بداخلنا في المقابل، لنتفق معها أننا سنحكي سياسة وسنكره الحرب. وهو ما يعنيه أنه كان بإمكانها أن تكون مؤرخة للأدب أيضًا - لو أن الزمن أتاح لها مزيدًا من الوقت خلال فترة بين الحربين، سواء تعلّقت الموضوعات بروايةٍ أمريكية، أو قصةٍ بريطانية، أو مسرحيةٍ فرنسية، أو شعرٍ ألماني، كتبت فيهم جميعًا مراجعاتٍ هيمن عليها قدرٌ كبير من التحليلات، ضمن أوساط جماعة بلوومز بيري التي منحتها مكانةً عالية في أدب ما بعد الحرب العالمية، وهكذا تحولت (VW) إلى علامةٍ أدبية في المشهد الثقافي بمقولتها الخالدة: "لا حدثَ يحدثُ بالفعل إذا لم يُكتب".
بلغت سمعة فرجينيا وولف أوجَها من الغرفة الأشهر في تاريخ الأدب، حين وضعت مفتاحها في قفلها لتخصَّها لها وحدها، وأصبحت عبارة "يجب أن تمتلك المرأة دخلاً خاصًا وغرفةَ مستقلة لكي تكتب"، الجملة الأكثر جدلاً بتأويل معانيها في الكتابة النسوية، كاشفة عن وعي مبكر بالعلاقة العميقة بين الاقتصاد والأدب، وإدراكٍ حادٍ بين الاستقلال المادي والحرية الفكرية في كتابة النساء، الذي أنتج أدبًا مشوهًا لا لضعف الموهبة أو قلّة الإبداع، بل لاختفاء التحفيز وغياب الدعم، فأشارت ضمنيًا أنه أدب من استطعن الكتابة لا بالضرورة من امتلكن القدرة عليها؛ إذ لم يكن إدخال المال في أمر الكتابة مسألة مألوفة، لكنها حسمت المسألة بأن الأدب بمعزلٍ عن الاقتصاد ما هو إلا ترف فكري.
ومن هنا جاء خطابها الأدبي محمّلاً بموقفٍ واضح: لا كتابة حرّة دون دخلٍ مستقل. كانت الفكرة عندها تدور حول محدودية حرية الكِتابة التي قُيِدت بها المرأة، وفي مقدمتها انعدام الاستقلال المادي وغياب المساحة الخاصة، بوصفهما شرطين أساسيين لكتابةٍ محميةٍ من العوز. ذلك أن الكاتِبة التي تنشغل بتأمين لقمة العيش، أو تخضع لسلطةٍ اقتصاديةٍ خارجية، لا تملك الذهن الصافي لتحرك قلمٍ فوق ورقة، ولا تُمنح حقَّها في وقت تكتب فيه جملةً على صفحة. ويعني ذلك أنها لم تتعامل مع فقر المرأة الكاتبة كحالةً فردية، بل كنتاج جماعي لحقبةٍ تاريخية أقصيت فيها النساء عن الحضور في الإنتاج الأدبي، وحُرمت فيه المرأة أن تكتب عن ذاتها من منظورها الخاص.
فرأت أن المرأة حين تُحرّم من الدخل، يتقلص وقتها تباعًا، فيضيق عليها المكان، ويصغر عليها التفكير، وهكذا يصبح الفقر موجّهًا لما يُكتب وما لا يُكتب؛ مُنهية خطابها بعصا استندت إليها نحو نهر أوز: ستعيش الكلمة وإن ماتت كاتبتها.
التعليقات