بين الواقعي والرقمي.. السعادة الحائرة في بانوراما الزواج
العدد 166 - 2026
مثالية مطلقة يتقمصها مرتادو مواقع التواصل الاجتماعي على اختلاف انتماءاتهم الاجتماعية والثقافية، مثالية لم تبرح مكانها يومًا إلى أرض الواقع، ولن تُختبر في معمل الحياة. فهم يرفعون لواء الحق، ويسعون إلى الخير، ويبحثون عن الكمال.. والنتيجة البديهية لذلك هي أنهم يستشعرون الظلم وعدم استيعاب الآخرين لأفعالهم وأفكارهم المتميزة، حتى اتسعت المسافة بين الذات الحقيقية للفرد والذات كما يقدمها في ذلك العالم.
فهل المجتمع الرقمي هو مجتمع موازٍ للواقع، أم أنه يسبق الواقع في بعض الأحيان؟ وإلى أي مدى شقت بعض القضايا الاجتماعية طريقها عبر فضاء الإنترنت؟ وما هي سلبيات وإيجابيات إحدى تلك القضايا التي شهدت في السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا، والخاصة بالتطبيقات التي تطرحها مواقع التواصل الاجتماعي كأحد السبل المتاحة لإيجاد شريك حياة متوافق مع الذات؟
وأي ذات تلك؟ الذات الحقيقية التي يعيش بها الإنسان على أرض الواقع، أم ذاته الموازية التي يتعامل بها على مواقع التواصل؟ وما هي جدوى النجاح في التعامل مع الواقع الافتراضي في ظل تعثر الواقع الشخصي؟
في محاولة للإجابة عن بعض تلك التساؤلات، أجرى المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر دراسة بحثية تحت عنوان: "التعارف والاختيار الزواجي عبر الإنترنت".
تحت إشراف د. وليد رشاد، ود. كامل كمال، ومجموعة من الباحثين في المركز، وهم: د. ريهام محيي الدين، د. هبة عاطف، ودكتور نور الدين شعبان؛ للتعرف على الدور الذي يلعبه المجتمع الرقمي في فتح قنوات للتعارف من أجل الزواج، ورؤى المجتمع حول هذا النمط من التعارف، مع الوقوف على الخصائص الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية لبعض الذين فضلوا هذا النمط من الزواج، وكذلك طبيعة التحديات التي تواجه الأسر المتشكلة عبر بوابات المجتمع الرقمي، بداية من مرحلة التعارف وحتى الزواج وما يصاحبه من مشكلات، مع توضيح الرؤية المستقبلية لهذا النوع من التعارف من أجل الزواج، وذلك من خلال عينة عشوائية ممثلة للمجتمع المصري، قوامها 1807 شاب وفتاة، موزعة على الحضر والريف، مع مراعاة خصائص الأفراد: (النوع - الحالة التعليمية - العمر).
بداية، أكدت أفراد العينة على أن تلك التطبيقات توفر آلاف الملفات الشخصية، مما يمنح الفرد فرصة أكبر للعثور على شخص يشاركه الاهتمامات والقيم. كما يمكن التعارف من خلالها بين أشخاص من مدن أو دول مختلفة، وهو أمر كان أكثر صعوبة في الماضي. غير أن بعض التطبيقات تعتمد على خوارزميات تساعد في مطابقة الأشخاص بناءً على: العمر، المستوى التعليمي، الاهتمامات، القيم الدينية والاجتماعية، والأهداف المستقبلية.
وعلى الرغم مما توفره تلك التطبيقات، إلا أن أصحابها ليسوا أصحاب قصص ناجحة دائمًا أو حتى فاشلة، حيث هناك عوامل تؤدي إلى كلاهما. فالرغبة في إيجاد شريك حياة دائم وليس رفيق تسلية مؤقت، الانتقال المبكر إلى التواصل الرسمي، إشراك الأسرة، الصدق في عرض المعلومات، التحقق من الهوية، عدم التسرع في اتخاذ القرار، تقييم السلوك الواقعي وليس الإلكتروني فقط، مع تعزيز فكرة التوافق الفكري قبل عاطفي، بمعنى التركيز منذ البداية على القيم الدينية، أهداف الحياة، النظرة للأسرة، طريقة إدارة المال، أسلوب تربية الأبناء، عددهم، طبيعة العمل بعد الزواج، التقارب في الأهداف الحياتية عمومًا، من أقوى عوامل نجاح تلك القصص.
وفي المقابل، رصدت الدراسة عدة عوامل مرتبطة بزيادة احتمالات الفشل، أهمها: الهوية المزيفة، بأن يكتشف أحد الطرفين بعد الخطبة أن المعلومات المهنية أو الاجتماعية للطرف الآخر غير صحيحة، أو بسبب عدم الجدية، طول مدة العلاقة الافتراضية دون خطوة رسمية، استخدام صور قديمة أو معدلة، التركيز على المظهر أكثر من الجوهر، المبالغة في الوضع المادي. كما يجعل وجود عدد ضخم من البدائل الفرد أقل رضا عن اختياره، وأكثر ميلًا للمقارنة المستمرة.
والجدير بالذكر أنه في العلاقات التقليدية غالبًا يوجد أقارب مشتركون، أصدقاء مشتركون، بيئة اجتماعية واحدة. أما في التعارف الإلكتروني فقد تغيب هذه الروابط، مما قد يقلل الدعم الاجتماعي للعلاقة.
وعلى صعيد آخر، أشارت النتائج المتعلقة باتجاهات الجمهور العام أن فكرة التعارف والاختيار للزواج عبر تطبيقات الإنترنت كانت من بين الأفكار المرفوضة تمامًا حتى وقت قريب، وعند المقارنة بين الريف والحضر كانت نسبة من وافق من الحضر ضعف من وافق من الريف. أما الفروق بين الذكور والإناث حول الموافقة على التعارف للزواج عبر الإنترنت فكانت (فروق غير جوهرية / غير دالة)، وعن المستويات التعليمية المختلفة كان الأفراد من ذوي المستوى التعليمي المرتفع (جامعي / فوق جامعي) هم من احتلوا الصدارة في الموافقة على الفكرة، أما عن متغير السن فوجد أن أعلى نسبة ممن وافقوا هم من ينتمون لفئة سن أقل من 25 سنة، أما عن المستوى الاقتصادي الاجتماعي فوجد أن نسبة من وافقوا كانت النسبة الأعلى من الأغنياء.
كما توصل الباحثون إلى أن من السمات الشخصية لمن قابلوا فكرة الزواج عبر تطبيقات الإنترنت بـ(محايد) هي الخجل الاجتماعي، عدم تحمل الغموض والانطوائية، أما عن سمات من قابلوها بـ(موافق) فكانت المرونة وسعة الأفق، في حين من قابلوها بـ(الرفض) كانت السمة الشخصية لهم التصلب وجمود الأفكار. وعن الفروق في قبول الفكرة بين الذكور والإناث فقد أشارت النتائج لوجود فروق دالة، مثل الخجل الاجتماعي والانطوائية، لصالح الإناث.
كما توصل فريق البحث إلى أن هناك اتجاهًا إيجابيًا بين المتزوجين عبر تطبيقات الإنترنت، مفاده الشعور بالرضا الزواجي، وخاصة تجاه الاستجابات التي تخص إشباع الاحتياجات المادية والمعنوية، حيث لاقت عبارة (أنا زوجي / زوجتي بيننا الكثير من الود والتفاهم)، أو عبارة (زوجي / زوجتي سندي ومصدر دعمي في الحياة)، وكذلك عبارة (يحقق لي زوجي أو زوجتي إشباعًا لكافة احتياجاتي المادية والمعنوية)، استجابة لدى النسبة الأكبر من المبحوثين، ذكورًا وإناثًا، لصالح الفئة العمرية أكثر من 32 سنة.
وبوجه عام، نستطيع القول إن ما يقرب من ثلثي عينة الدراسة يستخدمون الإنترنت، وأن نسبة المستخدمين من الذكور أعلى من الإناث بفارق بسيط، وأن هناك علاقة طردية بين المستوى التعليمي وعدد مستخدمي الإنترنت، بينما ترتفع نسبة الاستخدام بين مفردات العينة الأصغر سنًا، كما ترتفع أيضًا بين المخطوبين والمعقود قرانهم مقارنة بالعزاب والمتزوجين، وبالطبع ترتفع أيضًا بين سكان الحضر مقارنة بساكني الريف، مما يؤكد على وجود علاقة طردية بين استخدام الإنترنت والمستوى الاجتماعي الاقتصادي.
على صعيد آخر، جاءت نسبة استخدام منصة (الفيس بوك) هي الأعلى بين أفراد العينة، تلاها تطبيق (الواتس آب)، وفي المرتبة الثالثة جاءت وبفارق كبير منصة (إنستجرام)، ثم X( تويتر)، وأخيرًا (سناب شات).
كشفت النتائج أيضًا عن أن 41,6٪ من مفردات العينة لديهم معرفة بوجود تطبيقات وصفحات للزواج عبر شبكة الإنترنت، أما عن أسباب متابعة تلك الصفحات، فلقد جاء (حب الاستطلاع) في المقدمة، تلاه وبنسبة 83٪ من أفراد العينة بغرض البحث عن عريس أو عروسة، سواءً للغير أو للنفس.
وأخيرًا، نستطيع القول إن الدراسات لا تقدم حكمًا واحدًا قاطعًا، بل نتائج متباينة؛ ففي حين توصلت بعض الدراسات إلى أن العلاقات التي تبدأ عبر الإنترنت قد تكون أقل استقرارًا ورضا زواجي مقارنة بالعلاقات التي تبدأ في الحياة الواقعية، أظهرت دراسات أخرى أن نجاح العلاقة يعتمد بدرجة أكبر على جودة التواصل والتوافق بين الطرفين وليس على مكان التعارف نفسه.
فالتطبيق قد يكون مجرد وسيلة للتعارف الأولى، أما نجاح الزواج فيعتمد على التواصل الواقعي، والتوافق القيمي، والدعم الأسري، والالتزام المتبادل بين الزوجين.
التعليقات