بين الواقعي والرقمي.. السعادة الحائرة في بانوراما الزواج
العدد 166 - 2026
تشكّلت تجربتها الإبداعية في فترات عصيبة من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في مطلع الخمسينيات، فعاشت حقبة الفصل العنصري ، كما عايشت ذروة صفوف الحركات الاحتجاجية والحقوق المدنية، حتى نشطت سياسيًا مع أبرز رموزها، وظلت فعالة في تأسيس وعي جديد للمبدعين من أصحاب البشرة السمراء إبان فترة تصفية الاستعمار.
الأمريكية من أصل أفريقي التي زرعت نفسها في تربة اللكنة الأفريقية مع اللغة الإنكليزية، متأثرة بالتقاليد الشفهية، ومستحضرة لتراثها المكتوب وغير المكتوب لثقافتها الأمريكية، حيث الـ "أنا" التي هي "نحن" عندها. قضت خمسين عامًا في قيادة جبهة دفاع عن ثقافة الأمريكيين الأفارقة في عصرها، ومعها دومًا طرقها في أن تفعل الكثير، لتقوم بها جميعها بشكل جيد، لا تقبل فيه توقف المنتصف عند كسب العيش، الذي يختلف تمامًا مع صناعة حياة عرفتها بسيرها الذاتية السبع، وخمس كتب في فن المقال، والعديد من الدواوين الشعرية، إضافة إلى قائمة من نصوص المسرحيات والأعمال السينمائية والأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية وكمٍّ من الخطب الاحتجاجية التي لها نبرة عسكرية، حيث بدأتْه أولاً بأدائها في الرقص الاستعراضي، إلى جانب موهبتها في التأليف الموسيقي بصوتها الرخيم وحضورها المهيب. لتعدّ مسيرتها الفنية شاملة لمختلف أنواع الفن الذي شقته بترجمة اللغة اليومية إلى خطاب سياسي، من الرقص والغناء، إلى القراءة والكتابة، ثم التحدث والخطابة، اجتمعت معًا في قولها، وهي تؤكده: "كل شيء قلته هو الحقيقة كما أفهمها"؛ وقد صدق قول دكتور مايا أنجلو.
يُشير دليل إلى أن أصلها ينحدر جزئيًا من مجموعة المندي التي تسكن غرب أفريقيا، لكن مارغريت آن جونسون جاءت يوم 4 أبريل 1928 في سانت لويس بولاية ميزوري، المولود الثاني لموظف سلاح البحرية بيلي جونسون وبائعة اليانصيب فيفان باكستر، لتنتهي زيجة الأبوين بطلاق في ظل الأزمة الاقتصادية المريرة التي كان يمر بها الأمريكيون الأفارقة مع الحرب العالمية الثانية. فشُحنت بالقطار مع ورقة عنوان ملصقة بمعصمها، مثل بضاعة، مرات إلى بيت الجدة، ومرات إلى منزل كثير الغرف للأم، وفي إحدى المرات تعرضت لاعتداء من صديق أمها، وأخبرت أخاها الذي كان يلقبها باسم "مايا اختصارًا لـ Maya sister أو My ، والذي أخبر أعمامه، فوُجِدَ مقتولاً بعد أربعة أيام من إطلاق سراحه، عقب سنة واحدة في السجن. المرة نفسها أيضًا التي جعلتها صامتة لمدة تقرب من خمس سنوات، معتقدة أنها لن تقوى على الكلام ثانية، لأن صوتها بإمكانه أن يقتل أي شخص آخر، راسمة في مخيلتها صورة للأب والأم الغائبين عن صحبتها، في فستان أحبته وكرهها في ارتداء باقي الفساتين.
ومع ذلك، تمكنت خلال فترة الخرس هذه من تقوية إنصاتها الخارق وتنمية قدرتها على الاستماع الصافي، حتى استُؤجرت المعلمة بيرثا فلاورز كي تساعدها على التحدث مرة أخرى. ففتحت رأسها على عناوين كبيرة في الأدب، بالقص عليها سير وحيوات مجموعة من كبار الأدباء، ما اعتبرته اكتشافًا لجذورها من السيدة الأولى التي أعارتها الكتب. لتتعامل مع هذه الصدمة عن طريق الحفظ والإلقاء، محولة قطعًا من الكلمات المصفوفة بعضها فوق بعض، ومحررة حركة أطرافها مع كل كلمة ينطقها لسانها، فيميل معها خصرها، إلى أن قُتل مارتن لوثر كينغ في عيد ميلادها.
تُعدّ تجربة مايا أنجلو واحدة من أبرز النماذج التي تُظهر كيف يمكن للفنون المختلفة أن تتكامل داخل شخصية إبداعية واحدة، وأن الإبداع لا ينتمي إلى قالب واحد. ذلك أن الفنان الحقيقي يستطيع أن ينتقل بين الوسائط المختلفة، ويستفيد من كل أسلوب في تطوير أدواته.
فالرقص القبلي لغرب أفريقيا، والذي استوحته من التراث الأفريقي، تعلمته على يد الراقصة الترينيدادية بيرل بريموس، منحها الإحساس بالحركة والإيقاع. أما الكتابة، فمنحتها القدرة على التأمل والتعبير العميق. وبين الاثنين تشكّلت هوية فنية متكاملة، ألحقتها بجولة أوروبية في اثنين وعشرين بلدًا. إذ إن بداياتها لم تكن أدبية خالصة، بل عملت في شبابها كمؤدية استعراضية، وكان الرقص جزءًا من أدائها الفني، إلى جانب التلحين والغناء والتمثيل. حتى تصدرت قائمة فناني الكاليبسو الأكثر شعبية مع تسجيل ألبومها الأول، ليصدر مرة ثانية على شكل أسطوانة، مغنيةً فيها مؤلفاتها الخاصة، لتُعتبر قصائدها أناشيد للأمريكيين من أصل أفريقي.
هذه المرحلة لم تكن مجرد حركات جسدية، بل وسيلة لسرد القصص، علّمتها التعبير الإيقاعي غير اللفظي، وجعلتها تميل إلى كتابة نصوص تُسمع بقدر ما تُقرأ. فالقارئ لها يشعر بأن هناك صوتًا حيًا يتحدث إليه، ليس جامدًا، بل يتحرك. إذ إن الكاتبة التي اعتادت الوقوف أمام الجمهور، كانت تدرك كيف تُبقي انتباه المتلقي مشدودًا، وكيف تُحمّل كلماتها طاقة شعورية عالية.
كما أن انتقالها من الرقص إلى الكِتابة لم يكن انقطاعًا، بل تطورًا طبيعيًا في وسائل التعبير، مُدركةً من خلاله أن التعبير الحقيقي لا يعتمد فقط على اللغة، بل القدرة في إيصال الإحساس، لتؤكد أن الكلمة يمكن أن ترقص، كما يمكن للجسد أن يروي حكاية. تقول سيدة الكاليبسو: "عندما كنت أنسى كلمات الأغنية كنت أقول للجمهور: الآن سأرقص".
ثمة كلمات من ورق، وأخرى من لحم ودم، وهي كانت تُعايش نموها الأفقي على جسدها، فتجد نفسها أحيانًا مضطرة لإجراء بعض الحركات الراقصة مع بعض الجمل الشعرية، حتى يتلاشى قلق أن يكون الوجع في قوس ظهرها فرديًا، لتمدده مع الجماعة.
تحدثت الكاتبة الأفرو-أمريكية مع الجميع عن اكتشافها أكثر لهويتها حين تركت بلادها، قائلة إن احترامها لسود أمريكا ازداد بعد مغادرتها، بمجرد أن تركت وراءها العنصرية، فكيف تحملوا ذلك كله؟
كان ذلك هو السؤال الذي أتى بأعمال كبرى من التراجم الذاتية التي منحتها اعترافًا، مع العديد من العلاقات الممتدة، وعمل على زيادة أعداد محبيها عبر الحدود العرقية، منصبة على مرحلة طفولتها، وألحقتها بتجاربها الأولى في سن المراهقة، ثم عمر الشباب، متناولة تفاصيل حياتها بالأسلوب الصريح والوصف الدقيق في سيرها الذاتية السبع، على مدى ثلاثين عامًا، ختمتها في سن الخامسة والثمانين، مع اتباعها لنمط العبيد السردي في حديثها عن ضمير المتكلم الجمع باستخدام ضمير المتكلم المفرد، فكانت دائمًا تقول "أنا " وتقصد "نحن".
وردًا على الانتقادات الموجهة لها بشأن توظيف حياتها الخاصة في الكتابة العامة، ذكرت جملتها الشهيرة: "أنا أتفق مع الكُتاب الذين قالوا إنني أكتب من أجل الكسب المادي"، معتمدة في ذلك على شخص واحد لتحرير كتاباتها - من أشهر محرري دور النشر-، وهو روبرت لوميس.
وعلى الرغم من محاولات حذف كتاباتها من المناهج الدراسية وحظر كتبها من بعض مكتبات الولايات المتحدة، وُظِّفت مؤلفاتها ودُرست أعمالها في مناهج السرد وتعدد الثقافات المستخدمة في تدريب وإعداد المعلمين، على كيفية التحدث عن الأعراق داخل الفصول الدراسية، حتى توافد لزيارتها عدد كبير من الأساتذة من مختلف الكليات والجامعات. ومنذ فترة التسعينيات، حاضرت بمجموعة متنوعة من الموضوعات، وقد كان لها أكثر من ثمانين ظهورًا في حلقات المحاضرات على مدار العام الواحد، لتحقق مع هذا وذاك نجاحًا يعجز الفنانون عن تحقيقه طيلة حياتهم.
التعليقات