من أم درمان إلى ناسا ..رحلة امرأة عربية

من أم درمان إلى ناسا ..رحلة امرأة عربية
من أم درمان إلى ناسا ..رحلة امرأة عربية

مدينه أم درمان الحاضرة الوطنية والشعبية وإحدى محليات الخرطوم حيث منبع العلم والفن والأدب، شهدت أيامها ولياليها ميلاد أصحاب الروائع فهي مدينة الإلهام والصحبة الطيبة حيث ترقد حانية على ضفة نهر النيل الغربية؛ تلك المدينة كانت مسقط رأس مولودة نشأت وسط دلال والديها الّلذين عرفا كيف يرعيانها لتكون رقماً مميزاً في يوم من الأيام.
عاشت وداد إبراهيم المحبوب طفولة سعيدة مع أسرتها المكونة من الأم والأب وثلاث بنات وولدين.
التحقت بالمرحلة الابتدائية والمتوسطة بأم درمان، أما المرحلة الثانوية فالتحقت خلالها بمدرسة رفاعة العريقة نسبة لظروف نقل والدها الذي عُين مديراً لمصنع سكر الجنيد. في تلك المرحلة اهتمت بمادة الرياضيات والفيزياء، وصارت تبحث عن معين إضافي طلباً للاستزادة من ذلك العلم الذي كان يهابه الكثيرون، مما لفت نظر والدها فحرص على اصطحابها للمركز الأمريكي الذي يديره صديقه لتطّلع على المجلات والكتب العلمية، ففتنت بعلم الفضاء والفلك وصار هاجساً وهدفاً صممت على تحقيقه، وجاءت اللحظة الفارقة التي يحدد الطالب أي الطرق يسلك متخصصاً في دراسة تناسب تطلعاته وأيضاً درجاته التي أحرزها في امتحان الشهادة الثانوية.
عندما ظهرت النتيجة كانت الطالبة وداد المحبوب من المتفوقين؛ فقد أحرزت مجموعاً يؤهلها لدراسة الطب، ولكن كان لطموحها رأي آخر ظلت تتطلع إليه؛ فعالم الفلك، ذلك العالم المجهول المثير، كان قد استحوذ على كل تفكيرها، فأعلنت رغبتها للمضي قدماً نحو دراسته باستفاضة وتخصص؛ فقد كان هو الأكثر ندرة وقتها حتى إنه لم تكن هناك كلية بجامعات السودان مختصة به، مما جعلها تتوجه للقاهرة بتشجيع ومؤازرة من والدها واعتراض لطيف من والدتها لم يصمد طويلاً مع منطق إقناعها الذي ضمنته عبارة كانت بمثابه حلم قدّر له أن يتحقق "سأذهب إلى أمريكا" قالتها رداً على والدتها عندما قالت لها: "ما الذي تعلمينه عن الكواكب والنجوم؟".

من أم درمان إلى ناسا ..رحلة امرأة عربية
وداد إبراهيم المحبوب

وفي جامعة القاهرة درست الفيزياء وعلوم الفضاء وكانت الأولى على دفعتها المكونة من أربعة طلاب وتخرجت بامتياز ثم عادت إلى السودان والتحقت بالمجلس القومي للبحوث بعد تفوقها بجدارة على مئة متقدم فتم تعينها مساعد باحث. وفي عام ١٩٨٨ حظيت بمنحة تعليمية في هولندا لمدة عام عادت بعدها إلى السودان حيث أتتها منحة أخرى من منظمة الفاو وسافرت إلى أمريكا. وهناك حصلت على الماجستير فى الهندسة الفيزيائية والدكتوراه في هندسة البيئة الفضائية من جامعة ويسكونسن ماديسون.
ونسبة لتميزها واتخاذها أبحاثاً لم تكن قد طرقت من قبل تم اختيارها في وكالة الفضاء والطيران الأمريكية "ناسا" التي كانت وما زالت تتمتع ببريق علمي جعلها عصية المنال إلا على المتميزين في ذاك المجال الشائك الذي يرتبط بالأبحاث التي تمد الجامعات بفوائد علمية موثوق بها وهذا ما برعت فيه الدكتورة وداد المحبوب التي استهلت مسيرتها المهنية بالعمل أستاذة في قسم علوم الفضاء وأنظمة الاستشعار عن بعد ثم دراسة مكونات الكواكب وتحليلها وتوصلت لاكتشاف مدهش لفت أنظار الدوائر العلمية فمنحتها وكالة "ناسا" ميدالية ذهبية على بحثها الذي توصلت فيه بعد دراسات مستفيضة بوجود ماء على كوكب المريخ، وهذا يأتي ضمن إنجازاتها العلمية مما يسر عليها السير بخطوات ثابتة حتى وصلت لدرجة علمية رفيعة في المجال الأكاديمي وتقلدت منصب بروفيسور في قسم علوم الرياضيات التطبيقية بجامعة هامبتون في ولاية فرجينيا.
ثم صارت تشرف على "مركز علوم الأرض والفضاء والاستشعار عن بعد" الذي يضم مجموعة من الحواسيب الخارقة ذات الخواص فائقة الدقة والكفاءة، ما يعرف بنظام "المعلومات ذات الطيف الفائق". وصارت مشرفة على الطلاب في قسمي الماجستير والدكتوراه.
أهم إنجازات بروفيسور وداد المحبوب العلمية:
قدمت مجموعة من البحوث والأوراق العملية التي ساعدت على المزيد من الاكتشافات في كوكب المريخ، حيث سجلت براءة اختراع يتمحور حول دراسة المواد المعدنية في المريخ حيث يتمثل الهدف الرئيسي للمشروع التأكد من وجود المياه والمعادن على سطحه من خلال تحليل المعلومات التي تبثها المركبات الفضائية والأقمار الاصطناعية وتنقية الصور المشوشة وغير الواضحة في المختبر وإزالة ما فيها من شوائب عبر أجهزة متطورة من خلال استخدام الطرق المنهجية في الرياضيات التطبيقية، وتوصلت عبر دراساتها أن الماء موجود في كوكب المريخ ما يعني أنه من المحتمل أن تكون بعض أشكال الحياة قد نشأت فيه قبل حقب سحيقة.
سجلت أيضاً براءة اختراع على نموذج بحثي يوضح كيفية تحديد المواقع على سطح الأرض وتقسيمها وتصويرها بدقة متناهية وتحليلها عبر كمبيوترات عملاقة تستخدم نظام (المعلومات ذات الطيف الفائق).
قدمت لوطنها الأم مجموعة من الأفكار للمساعدة على النهضة العلمية والتنمية في مجالي الأمن والموارد حينما أشارت للعمل على إطلاق قمر صناعي تم تنفيذه بالفعل مع الصين وأطلق عام ٢٠١٩.
تعمل في أبحاث الأمراض السرطانية ومعرفة مدى انتشارها بدقة عن طريق تحليل صور الأمراض عن طريق الاستشعار عن بعد حتى تحسب حجم الخلايا في المناطق المتضررة في الجسم.
قامت بتأليف كتاب السيرة الذاتية الذي تضمن قصة إنسانية تحكي مسيرتها الحياتية وتطرقت فيه للإعجاز العلمي للقرآن الكريم والبحث العلمي.
قدمت العديد من البحوث والأوراق العلمية.
هكذا كانت رحلة حياة عالمة الفضاء البروفيسور وداد المحبوب التي قدمت نموذجاً مشرفاً للمرأة السودانية والمسلمة التي اخترقت بسلاح العلم والمثابرة ارفع الدرجات وصارت مرجعية وحجة علمية تتلمذ على يديها أعداد كبيرة من الطلاب بأمريكا وتقلدت أرفع الأوسمة وكرمت بالعديد من الجوائز والتقديرات. حملت الجنسية الأمريكية ولم تنسَ وطنها الأصل؛ هناك بحي الرياض بمدينة النيل بأم درمان قلب السودان النابض بالدفء والحنان والحب والسكينة لم تنساها وهي في وطنها الثاني تحقق إنجازاً تلو إنجاز نصرة للعلم وإيماناً بخالق الكون الذي أبدع في خلق السماوات والأرض وما بينهما تعالى الله بقدرته وعظيم سلطانه.

التعليقات