ذكرى حوار مع زوجة فيلسوف القرن

ذكرى حوار مع زوجة فيلسوف القرن
ذكرى حوار مع زوجة فيلسوف القرن

خلال مسيرتي المهنية طوال السنوات السابقة، كان لقائي مع الدكتورة منيرة حلمي، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس، ورفيقة المسيرة الفكرية للفيلسوف الدكتور زكي نجيب محمود، من اللقاءات التي لا تنسى، ولليوم أعود بذاكرتي لاستعادة جمال تفاصيله، ويسعدني أن أشاركم اليوم جزءاً من هذه الاضاءات على حياة شريكين كانا مثالاً للتعاون والانسجام.

البداية كانت من تنازل د.منيرة عن منحة دراسية لإتمام الدكتوراه في أمريكا، وذلك كي لا تؤجل خطوة الارتباط بالدكتور زكي، مؤكدة أنها جعلت لارتباطهما الأولوية.
وعن لقائهما الأول، قالت د.منيرة أنه كان مجرد لقاء قارئة معجبة بكتابات الفيلسوف، ومن ثم أصبح لقاء طالبة دراسات عليا بأستاذها، وبعدها عرفا الكثير من الأمور المشتركة بينهما والتي تشير إلى أن زواجهما سيكون ناجحاً.
وحين تتحدث د.منيرة عنه، فلابد وأن تشير إلى مدى تقديره للمرأة ولدورها في المجتمع، حيث كان يسعى جاهداً لتحصل المرأة خاصة والانسان عامة على حقوقه في التعليم والعيش الكريم وحرية الاختيار واتخاذ القرار. ولهذا تؤكد د.منيرة على دعمه الكامل لها وتشجيعه المستمر لتحقق النجاح في عملها. وتتذكر موقفاً مؤثراً، حين بدأ يتعب من المرض وكاد أن يفقد وعيه وأرادت د.منيرة أن تقدم على طلب إجازة رعاية زوج من الكلية، لكنه رفض، وقال بانفعال: (أرجوك لا تفعلي ذلك، لا تخلطي شؤون حياتك الخاصة بشؤون عملك). ولتصبح تلك آخر نصائحه لزوجته..
وبالمقابل حرصت د.منيرة باستمرار على دعم زوجها وتوفير أجواء هادئة له ليعمل ويكتب، وكانت تدعمه نفسياً في كل أزمة يمر بها.

ذكرى حوار مع زوجة فيلسوف القرن

وتذكر د.منيرة العديد من المواقف التي أصيب بسببها بنوع من التأزم النفسي وربما الفكري منها الهجوم الذي تعرض له عند صدور كتابه (ما وراء الأفكار) ، حتى تيقن أنه لن يستطيع أن يمهد عقول البشر جميعاً وفضل أن يقوم بتغيير عنوان الكتاب إلى (موقف من الميتافيزيقا).

وعن هذا قالت د.منيرة: كان عليّ أن أهدئ من روعه مع محاولة إقناعه بأن ما يحدث ليس إلا ظاهرة انفعالية من بعض الناس في المجتمع، ويجب عليه ألا يعطيها كل هذا الاهتمام، ولقد تيقنت أن كلماتي تقع لديه موقعاً خاصاً متخذة طريقها إلى وجدانه وعقله حين أشار إلى ذلك في كتابه (قصة نفس)".

وعن أسلوب الدكتور زكي في الفلسفة والكتابة، قالت: كان يتميز بقدرته على إدراك دوافع الناس وميولهم وتحليل تعبيراتهم، حتى إن الكثيرين من شباب الأسرة كانوا يلجؤون إليه ليأخذوا مشورته في أمورهم، وحتى يوفق بين وجهات نظرهم مع وجهات نظر ذويهم الذين هم في نفس عمره تقريباً، وهذا يؤكد تفهمه لمشاعر الآخرين وحقوقهم.
أما بالنسبة للكتابات فكان يغلب عليها الاتجاه الأدبي الفني، وأرى أنها لم تأخذ حقها تماماً في ما يختص بالعرض والتحليل الأدبي، وذلك في كتب (شروق من الغرب)، (الكوميديا الأرضية)، (جنة العبيط)، وكذلك الكتب التي تؤرخ لحياته مثل كتاب (قصة نفس)، (قصة عقل)، و(حصاد السنين).
وأخيراً.. إنها رحلة عقل، لرجل وامرأة خاضاها على حد سواء دون مزايدة ورحلة نفس لرجل وامرأة التقيا على عهد العاطفة وتمسكا بزمام الإخلاص ليصنعا معا (د. زكي ود. منيرة، رحمهما الله) أنشودة حب تعيش وتبقى عبر الأجيال.

التعليقات