مروة العقروبي: "بيت الحكمة" ..جسر ثقافي بين الماضي والحاضر
العدد 165 - 2026
"بيت الحكمة" كلمتان لا غير، لكن مفعولهما كالشعلة من يوم أن أوقدت في زمن العصر العباسي أي قبل قرون عديدة "القرن الثاني للهجرة" في عهد الخليفة هارون الرشيد، واليوم بُعِثت فيه الشرارة من جديد في الشارقة كصرح ثقافي إلى جانب الكثير من الصروح المشهود لها والتي تُجسد مفهوم وجوهر "الشارقة عاصمة الثقافة العربية" برؤية فارسها الحكيم والمستنير؛ صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
ولفتح نافذة على ما يكتنزه ويقدمه هذا البيت للمجتمع استضافت "مرامي" مديرتها التنفيذية الأستاذة مروة العقروبي التي تعمل وتجتهد بإدارة الدار ليبدو وكأنه خلية نحل تجود بعصارة معرفية لطالبيها كالشهد النقي. فلنتذوق عبر حديثها هذا حلاوة التميّز والرقي في "بيت الحكمة في الشارقة".
عندما نستحضر "بيت الحكمة" في بغداد، حاضرة الخلافة العباسية، فإننا نستحضر مؤسسة معرفية رائدة شكلت نواة المشروع العلمي في عصرها، برعاية ودعم سخي من الخلفاء العباسيين، وعلى رأسهم الخليفة المأمون، الذي تبنى حركة ترجمة العلوم والمعارف اليونانية والفارسية والهندية وغيرها. وسرعان ما تحول هذا الصرح إلى خلية علمية نابضة، تناول فيها علماء العرب والمسلمين تلك المعارف بالدراسة، والتحليل، والتطوير، والتنقيح، لتتجاوز الترجمة حدود النقل إلى الإضافة والابتكار.
في بيت الحكمة، أُعيدت صياغة علوم الفلك والطب والرياضيات والفلسفة، وأسهم علماء مثل الخوارزمي وثابت بن قرة في إنتاج معرفة جديدة تجاوزت حدود النقل إلى الابتكار، قبل أن تُعاد هذه العلوم لاحقًا إلى لغات العلم في أوروبا، لتصبح إحدى الركائز الأساسية للحركة العلمية التي انطلقت من بغداد وامتد أثرها قروناً بعد ذلك.
هذا الجوهر المعرفي نفسه يتجسد اليوم هنا في "بيت الحكمة" في الشارقة، بوصفه امتداداً معاصراً لتلك الفكرة، وجزءاً من مشروع ثقافي مستدام، يجسد منجزاً رئيسياً توج باختيار الشارقة «عاصمة عالمية للكتاب 2019». فبيت الحكمة في الشارقة لا يكتفي بقيامه بدور حفظ الكتب، بل يقدم نموذجاً عصرياً للمؤسسة الثقافية التي تمنح مرتاديها مساحة تفاعلية تجمع بين القراءة، والتعلم، والابتكار، وتربط المعرفة بحياة الناس اليومية، بما يعكس روح مجتمعات القراءة والكتاب.
وكما كان "بيت الحكمة" في بغداد شاهدًا على عصر ازدهرت فيه العلوم وترسخت فيه العلاقات الثقافية والمعرفية بين الحضارات، ينبري "بيت الحكمة" في الشارقة اليوم ليكون شاهداً على رؤية ثقافية عميقة صاغها منذ عقود صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة؛ إذ يرى هذا المشروع في المعرفة ركيزة للتنمية، وفي الثقافة لغة للحوار الإنساني والحضاري، وفي الكتاب جسراً حياً يصل الماضي بالحاضر ويفتح آفاق المستقبل.
الإشعاع الثقافي لبيت الحكمة يرتبط بقدرته على الوصول إلى أفراد المجتمع وتأثيره في محيطهم المعرفي والتعليمي. على المستوى المحلي، يتجلى ذلك من خلال حضوره كمركز مفتوح للقراءة والتعلم والتفاعل الثقافي، يخدم الطلاب والباحثين والأسر، ويشكّل جسرًا بين المجتمع والمؤسسات الأكاديمية. وقد أصبح بيت الحكمة مساحة يعتمد عليها الطلاب في الدراسة والبحث، وملتقى للجهات المعرفية عبر برامج مشتركة وورش عمل متخصصة.
ويسهم بيت الحكمة في ترسيخ صورة الشارقة كمشروع ثقافي تنموي طويل الأمد، من خلال استضافة فعاليات معرفية ومعارض ثقافية ولقاءات تجمع كتابًا وباحثين ومفكرين من مختلف دول العالم، ما يعزز مكانة الإمارة كمركز للحوار الحضاري بين الثقافات.
وعلى المستوى الدولي، يتجلى إشعاع بيت الحكمة من خلال مشاركته في المحافل الثقافية العالمية وبناء شراكات مع مؤسسات معرفية وثقافية. ومن الأمثلة على ذلك مشاركته ضمن وفد الشارقة في معارض الكتاب العالمية، مثل معرض غوادالاخارا بالمكسيك، ومعرض سيئول الدولي في كوريا الجنوبية، ومعرض الرباط الدولي بالمغرب. كما يبرز دوره في فعاليات ثقافية مهمة، مثل افتتاح معرض سيلانجور الدولي للكتاب 2025، حيث تم تكريمه كمؤسسة ثقافية رائدة وبحث فرص التعاون مع مكتبة سيلانجور العامة، مما يعكس الحرص على تبادل التجارب الثقافية مع المؤسسات النظيرة عالمياً عبر شراكات مستدامة.
بيت الحكمة ينظر إلى البحث والمعرفة بوصفهما نشاطين يخدمان المجتمع بأكمله، لا فئة محددة فقط. لذلك تتنوع مساراته لتناسب مختلف شرائح المجتمع.
توفر المكتبة الرقمية لبيت الحكمة (18) قاعدة بيانات تضم ملايين العناوين من كتب ودوريات وأطروحات ودراسات ومواد سمعية وبصرية تتجدد باستمرار، مع إمكانية الوصول إليها عن بُعد لتوسيع دائرة المستفيدين خارج حدود بيت الحكمة، وخارج أوقات عمله الرسمية.
كما يستضيف بيت الحكمة العديد من الدورات وورش العمل المتخصصة في مناهج البحث العلمي، بالتعاون مع جهات مهنية مختلفة، ويشارك فيها موظفون من مكتبات ومؤسسات حكومية، ما يتيح نقل المعرفة إلى العاملين في مجالات متعددة خارج الإطار الأكاديمي التقليدي.
أما في مسار الابتكار التطبيقي، فيوجد في بيت الحكمة "مخبر الجزري" وهو مرفق للتصنيع الرقمي، مخصص لخدمة أصحاب المواهب الإبداعية والأفكار المبتكرة ومنحهم فرصاً غير مسبوقة لصقل مواهبهم وتعلم مهارات جديدة. يضم تقنيات رقمية من بينها الطابعات ثلاثية الأبعاد وأجهزة القطع بالليزر، لتحويل الأفكار البحثية إلى تجارب عملية ملموسة.
بهذه الطريقة، يربط بيت الحكمة بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي والاحتياجات المجتمعية، وآخر المستجدات التقنية العالمية ليكون مساحة شاملة للبحث والتعلّم لكل فئات المجتمع.
اختيار شخصية مثل محمود درويش لا يقوم على شهرته الأدبية وحدها، بل على حضوره العميق في الوعي الثقافي العربي وفي حياة الناس. درويش لم يكن شاعراً نخبوياً، بل صوتاً شكّل جزءاً من الذاكرة اليومية للمجتمعات العربية، ورافق تحولات كبرى في المنطقة، وأعاد صياغة علاقة الإنسان العربي باللغة، وبالهوية، وبفكرة الوطن. استحضار درويش في بيت الحكمة هو استحضار لتجربة ثقافية ما زالت حاضرة ومؤثرة في وجدان أجيال متعاقبة.
من هذا المنطلق، جاء معرض "لاعب النرد: محمود درويش" قائماً على تقديم تجربة درويش من زوايا متعددة، بعيداً عن السرد الزمني التقليدي. فقُسّم المعرض إلى ستة أقسام تمثل أبعاداً مختلفة من حياته وشخصيته، ما يتيح للزائر الاقتراب من الشاعر بوصفه إنساناً ومبدعاً وصوتاً مدوي، لا مجرد اسم أدبي أو سيرة مختصرة.
أما على مستوى التحديات، فإن طبيعة هذا النوع من المعارض تتطلب دقة عالية في توثيق المعلومات والحصول على المواد من مصادر موثوقة، مع الالتزام الكامل بحقوق الاستخدام. وفي هذا السياق، يحرص بيت الحكمة على العمل دائماً عبر الشراكات الثقافية والمؤسسية، بوصفها الطريق الأضمن لتقديم محتوى معرفي متوازن ودقيق.
وفي معرض "لاعب النرد" تحديداً، لعب الشركاء دوراً أساسياً في إثراء المعرض بالمحتوى والمعلومات الدقيقة، واستمر العمل على جمع وتنظيم الوثائق والأرشيف على مدى عامين، بما يؤكد منهج بيت الحكمة في العمل عبر شراكات مؤسسية وثقافية لضمان أصالة المواد ودقتها.
جاء تنظيم المعرض بالتعاون مع المتحف الفلسطيني، وهو الشريك الرئيس الذي ساهم في توفير مقتنيات ووثائق متعلقة بحياة وإبداع الشاعر الفلسطيني الكبير، إضافة إلى مؤسسة محمود درويش، التي أمدّت المعرض بمعارف وأرشيفات مرتبطة برحلة درويش الإبداعية والحياتية، ومؤسسة بارجيل للفنون التي أسهمت في تقديم عناصر بصرية وفنية تضيف بعداً حسياً للزوّار، ومركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله الذي لعب دوراً في توفير مواد وثائقية ثقافية تعكس السياق الاجتماعي والفكري للشاعر، و"أكتوبر غاليري" من لندن، والراعي الرسمي للمعرض مصرف الشارقة الإسلامي، والرعاة الداعمون دائرة العلاقات الحكومية، والمكتب الإعلامي لحكومة الشارقة، وغرفة تجارة وصناعة الشارقة، وهيئة الإنماء التجاري والسياحي.
الأطفال والشباب دائماً في قلب برامج وفعاليات بيت الحكمة، ونحرص على تصميم برامج وفعاليات تجمع بين شغف الطفولة والشباب اليافع من ناحية وبين المعرفة من ناحية ثانية، على سبيل المثال، جميعنا نعرف مدى شغف الأجيال الصاعدة بفكرة المخيمات الصيفية والشتوية، لذلك فإننا نحرص على استثمار أوقات أبنائنا في هذا الشغف من إطلاق مخيمات تثقيفية تعليمية وترفيهية في آن واحد.
نحرص كل عام على إطلاق مهرجان "الحدائق السحرية" الشتوي ونختار له موضوعات متنوعة من التراث الأدبي العالمي. ففي ديسمبر الماضي، حملت أحدث نسخة من المخيم اسم "الأمير الصغير"، وقدمت للأطفال تجارب تفاعلية مستوحاة من هذه القصة الشهيرة، شملت ألغازًا وأنشطة إبداعية بهدف تعزيز مخيلة الأطفال وقدرتهم على تكوين الصداقات. وقد صُممت جميع الأنشطة ضمن تجربة ثقافية وترفيهية تفاعلية، تركز على تطوير المهارات الفكرية والفنية للأطفال، في بيئة تعليمية آمنة وممتعة.
وخلال الصيف الماضي، أطلقنا ثلاثة مخيمات صيفية تضمنت عدداً من البرامج المتنوعة بهدف تنمية القدرات التقنية والعلمية والمهارات الحياتية للأطفال والشباب على مدار أكثر من أربعين يوماً، وحملت المخيمات أسماء تاريخية عريقة مثل حكايات " كَـلِيلَة ودِمْنَة".
وإلى جانب ذلك، يحرص بيت الحكمة على تمكين الأجيال الصاعدة وتعزيز دورها في المشهد الثقافي والمجتمعي عبر مبادرات مختلفة لفئات الأطفال واليافعين والشباب من بينها برنامج "مواهب بيت الحكمة"، وهي مبادرة شهرية تهدف إلى اكتشاف ورعاية الطاقات الإبداعية لدى الأطفال والشباب في مجالات مثل الفنون، والتصوير، والابتكار الرقمي، ومهارات الحياة. ويتم اختيار موهبة متميزة كل شهر وتوفير بيئة تعليمية محفزة تجمع بين التعلم والتجريب والعرض للجمهور، إلى جانب تقديم ورش تدريبية لصقل مهارات المواهب تحت إشراف مختصين وبالتعاون مع مؤسسات رائدة في الشارقة.
هذا بالإضافة إلى برنامج "الحكمة باللغات" وهي سلسلة من برامج تعليم اللغات بالتعاون مع مؤسسات ثقافية دولية، تجمع بين تعلم اللغة واستكشاف ثقافتها، وتتضمن هذه البرامج "الحكمة باليابانية" بالشراكة مع معهد إيتون ومركز الإمارات واليابان الثقافي، و"الحكمة بالفرنسية" بالتعاون مع الرابطة الفرنسية في الشارقة، و"الحكمة بالإسبانية" بالتعاون مع جامعة مورسيا الإسبانية. تتميز هذه البرامج بتقديم ورش تطبيقية وحوارات تفاعلية، مما يتيح للمشاركين الانخراط في تجارب لغوية وثقافية متكاملة، وقد شارك فيها ما يقرب من 250 شخصاً منذ انطلاقها وحتى الآن.
ما يلمسه الزائر في بيت الحكمة من سلاسة في التنظيم، وتنوّع في البرامج، وجودة في المعارض والخدمات الرقمية، هو نتيجة عمل جماعي متكامل تقوده فرق تعمل بروح واحدة، لكل منها دور واضح في بناء هذه التجربة المعرفية.
يضم بيت الحكمة فرقاً متخصصة في إدارة المكتبة، تشمل اقتناء المجموعات والعناوين الجديدة وفهرستها، وتطويرها، بما يضمن توفير مصادر معرفية حديثة ومتنوعة تخدم مختلف الفئات. وإلى جانبها، تعمل فرق البرامج والفعاليات على تصميم أنشطة ثقافية وتعليمية تراعي اختلاف الاهتمامات والأعمار، وتربط المعرفة بالحياة اليومية.
كما يقف خلف المعارض فريق من القيّمين والباحثين والمصممين، يعملون على بناء التجربة المعرفية والبصرية للزائر، بدءاً من الفكرة، مروراً بالبحث والتوثيق، وصولاً إلى العرض بأسلوب واضح وجاذب. وتكمل هذه المنظومة فرق تجربة الزائر والعضويات، التي تُعنى بتسهيل الوصول إلى الخدمات، وضمان أن تكون زيارة بيت الحكمة تجربة مريحة ومفتوحة للجميع.
وفي الخلفية، يعمل الفريق التقني على إدارة المنصات الرقمية والخدمات الذكية، بما يضمن سلاسة الوصول إلى المصادر والمعرفة داخل المبنى وخارجه. كما يتولى فريق العمليات تشغيل المساحات المتخصصة، مثل قاعة الرشيد ومخبر الجزري وقاعات الاجتماعات لضمان عملها بكفاءة عالية وتقديم تجربة سلسة لجميع المستخدمين.
بهذا التكامل ما بين الفرق، يعمل بيت الحكمة بوصفه منظومة معرفية حية، لا تعتمد على الأفراد بقدر ما تقوم على العمل الجماعي، لتظل منصة مفتوحة للتعلم، والبحث، والتجربة، تخدم الزوار من مختلف فئات المجتمع.
ينطلق الحضور الرقمي لبيت الحكمة من القناعة بأن المكتبة لم تعد مكانًا مادياً فقط، بل تجربة معرفية متكاملة يمكن الوصول إليها في أي وقت ومن أي مكان. ويتجسد ذلك بوضوح عبر المكتبة الرقمية، التي توفر للطلاب والباحثين والقراء إمكانية الوصول إلى آلاف الكتب والدوريات والأطروحات والمواد السمعية والبصرية عن بُعد، مما يسهل البحث والدراسة والتعلم المستمر.
ويمتد الحضور الرقمي كذلك إلى تطوير خدمات ذكية مبتكرة تسهل تجربة المستفيدين، مثل البحث الذكي داخل المصادر، وتنبيهات المحتوى، والتوصيات المخصصة لكل مستخدم، ما يجعل التعامل مع المعرفة أكثر مرونة وارتباطاً باحتياجات المستخدم اليومية.
كما يحرص بيت الحكمة على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات تعليمية وابتكارية، من خلال ورش عمل وتجارب تفاعلية، تتيح للطلاب والباحثين التعرف إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل التصميم، وصناعة الأفكار، وتطوير الحلول الإبداعية، ما يعزز القدرة على الابتكار وحل المشكلات. كما يسهم ذلك في إعداد جيل قادر على التعامل مع أدوات العصر بثقة ووعي، انسجاماً مع توجهات دولة الإمارات نحو بناء مجتمع معرفي واقتصاد مستقبلي قائم على الابتكار والتقنية.
التعليقات