الإيقاع الحيوي للإنسان وعلاقته بالسمنة

الإيقاع الحيوي للإنسان وعلاقته بالسمنة
الإيقاع الحيوي للإنسان وعلاقته بالسمنة

الحقيقة المهمة أنه ليس من أحد يرغب بأن يكون بديناً ولديه نسبة كبيرة من الشحوم في جسمه وتسبب له العديد من الأمراض، ورغم ذلك نجد العديد من البشر لديهم مشكلة كبيرة في كيفية المحافظة على أوزانهم ضمن الحدود الطبيعية والصحية من خلال القيام بتناول الأطعمة الصحية من حيث الكمية والنوعية وممارسة الأنشطة البدنية بشكل منتظم (طعام أقل + ممارسة التمرينات البدنية)، لكن للأسف الوزن لا ينزل والشحوم تتراكم، إذاً أين يكمن الخلل؟ هذه مشكلة شريحة كبيرة من البشر، وذلك لأن أجسادنا مجهزة وراثياً لتجعلنا نكتسب مزيداً من الوزن ونحتفظ به؛ لأن مخازن الدهون بالجسم غير محدودة، هذه حقيقة بيولوجية لا يمكننا الهروب منها، ولكن يمكننا القيام بإجراءات تساعدنا على التغلب على هذه المشكلة، وحقيقة الأمر في هذا المجال تقوم على أساس أن ما يجعلنا نتسم بالبدانة أو النحافة أو ما بينهما أمر بكل تأكيد له علاقة فعلية بأسلوب حياتنا ويعتمد على مقدار ما نأكله ومقدار ما نمارس من أنشطة بدنية، وكما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بساعتنا البيولوجية وبحالتنا النفسية واضطرابات الإيقاع الحيوي وما نعيش به من ضغوط الحياة.

فلقد أودع الله سبحانه وتعالى في جسم البشر ساعة تعرف بالساعة البيولوجية (الحيوية)، وتخضع الساعة البيولوجية الداخلية في جسم الإنسان إلى الإيقاع اليومي الاعتيادي (النهار والليل، اليقظة والنوم، الجوع والشبع...)، وعليه فإن جميع المتغيرات البيولوجية والوظيفية لجسم الإنسان تتزامن مع الإيقاع اليومي للفرد بما في ذلك درجة نشاط الجسم، ودرجة حرارته الداخلية ومعدل التمثيل الغذائي وضربات قلبه وضغط دمه وتركيز الهرمونات في جسمه، وتؤكد الدراسات أن هناك أوقاتاً محددة خلال اليوم يكون فيها الجسم البشري في أفضل حالاته حيث تزداد كثافة التمثل الغذائي ونشاط الجهاز الدوري التنفسي، وعادة تكون هذه العمليات أكثر من أربعة عمليات فسيولوجية ترتبط بزمن اليوم الكامل، فعادة ما تنخفض مؤشرات عمليات التمثيل الغذائي (حرق الطعام) ليلاً، كما تشير الدراسات إلى أن هناك توقيتات خاطئة لتناول الطعام تنعكس سلباً على الجسم ومنها تناول الطعام في أوقات متأخرة من الليل حيث ينخفض معدل التمثيل الغذائي (BMR) مساءً عند النوم من 10 – 15 % طبقاً لمدة الاسترخاء في النوم وعدد ساعات النوم مقارنة مع الاستيقاظ، يؤدي إلى الإخلال في كافة العمليات الفسيولوجية داخل الجسم مما يرافقها حدوث العديد من التغيرات على مستوى عمل الهرمونات والإنزيمات.

إن انقلاب الساعة البيولوجية لدى البشر يرتبط بالعديد من التحديات الصحية، ولهذه التحديات ارتباطات جذرية بأمراض العصر المزمنة ولاسيما السمنة واضطرابات عمل الهرمونات وارتفاع مستويات القلق والتوتر والاكتئاب، وتؤكد الدراسات حقيقة علمية مفادها أن زيادة ساعات السهر والعمل لساعات غير معتادة أو بالجلوس أمام شاشة التلفاز والكمبيوتر والتعرض للإضاءة والإشعاعات الكهرومغناطيسية، يؤدي إلى إرباك الساعة البيولوجية للجسم مما ينجم عنه ارتفاع مستويات هرمونات القلق والتوتر (الكورتيزول) وضغط الدم والكولسترول الضار (LDL) والسكري من النوع الثاني والإصابات الحادة في أمراض الشرايين التاجية وارتفاع احتمالية الإصابة ببعض أنواع السرطانات بسبب إرباك عمل الساعة البيولوجية والإيقاع الحيوي للجسم وإفراز الهرمونات، ولاسيما هرمون النوم (الميلاتونين) الذي له علاقة بتحسين المناعة والوقاية من الإصابة ببعض أنواع السرطان.

وكما أشارت الدراسات إلى أن النساء اللواتي يعملن (بالشيفت الليلي) لفترة طويلة أكثر عرضة للإصابة بسرطان الثدي مقارنة بنظيراتهن اللواتي يعملن خلال النهار، كما ينطبق الأمر نفسه على الرجال الذين تكون معدلات إصاباتهم بسرطان البروستاتا أعلى من غيرهم إذا عملوا خلال نفس الفترة، ويعزى السبب وراء ذلك إلى انخفاض نشاط هرمون الميلاتونين وهرمون النمو، حيث يعمل هرمون الميلاتونين على تحفيز إفراز هرمون النمو لتجديد الخلايا ودعم التئام الأنسجة والعضلات وزيادة حرق الدهون (Lipolysis) وتقليل تخزين الدهون الحشوية، بالمقابل فإن نقص وقلة ساعات النوم الليلي يخفض الميلاتونين وهرمون النمو وزيادة الدهون ولاسيما الدهون الحشوية في منطقة البطن (السمنة المركزية) وارتفاع مستويات هرمون الجوع (Ghrelin) وخفض هرمون الشبع (Leptin) وزيادة الشهية والتوق لتناول الأطعمة السكرية، وبطء معدل الحرق وتخزين عالٍ للدهون في منطقة البطن والإصابة بمقاومة الإنسولين وخطر السكري من النوع الثاني.

إن إجابتك على التساؤلات التالية سوف تساعدك حتماً على التخلص من هذه العادة الضارة:

  • هل أنت ممن يشعرون برغبة ملحة لتناول الطعام بوقت متأخر من الليل؟
  • إذا كنت من هذا النوع من البشر عليك بالتوقف قليلاً وسؤال نفسك ما هي حالتك النفسية في هذا الوقت؟
  • هل أنت قلق ومتوتر؟ هل لديك مشاكل بالعمل؟
  • هل تتناول وجباتك خلال النهار بانتظام أم بشكل عشوائي؟
  • وهل فكرت يوماً ما هي عواقب وأضرار تناول الطعام بوقت متأخر من الليل؟

تشير الدراسات إلى أن أفضل الأوقات لتناول وجبة العشاء هي قبل 3 ساعات من موعد النوم، والوقت المثالي ما بين صلاة المغرب والعشاء؛ لأن معدل الأيض ما بعد صلاة العشاء ينخفض بشكل ملحوظ نتيجة زيادة عمل الجهاز العصبي الباراسمبساوي المسؤول عن الهدوء والاسترخاء، فهو يعمل على خفض درجة حرارة الجسم وضغط الدم ومعدل ضربات القلب وحرارة الجسم ويهيئك للنوم.

فتناول الطعام قبل موعد النوم تقل حساسية الإنسولين ليلاً مقارنة بساعات النهار ويميل الجسم لتخزين الدهون أكثر، ويرتفع هرمون الجوع (Ghrelin) وينخفض هرمون الشبع (Leptin) ويزيد نسبة هرمون القلق والتوتر الكورتيزول، ما قد يعزز تخزين الدهون خصوصاً حول البطن، وكما تنخفض جودة التعافي العضلي والطاقة للنشاط البدني، مما يؤدي إلى زيادة الشهية، الأكل الليلي يكون غالباً مع مشاهدة الشاشات وقلة الانتباه للكميات ورغبة أكبر لتناول الأطعمة العالية السكر عديمة القيمة الغذائية والغنية بالسعرات ويبطئ أيضك ويعرضك للإصابة بالمتلازمة الأيضية وتصبح أكثر عرضة لأمراض القلب وتصلب الشرايين والسكري من النوع الثاني وبعض أنواع السرطانات والعديد من الأمراض.

التعليقات