النشاط البدني لكبار السن.. ركيزة للصحة والوقاية من الأمراض
العدد 165 - 2026
مع التقدم في العمر، يزداد خطر الإصابة بالأمراض المزمنة وفقدان القدرة الوظيفية. غير أن النشاط البدني المنتظم يمثل وسيلة فعالة لمواجهة هذه التحديات، حيث يساهم في تعزيز الاستقلالية، وتقوية الصحة الجسدية والعقلية، وتحسين جودة الحياة بشكل عام. كما تتأثر سرعة عمليات الأيض واستهلاك الطاقة؛ فبعد سن العشرين، يحدث انخفاض في معدل الأيض الأساسي أثناء الراحة، بنسبة 1-2% لكل عقد من الزمان.
ويعزى هذا التغيير في معدل الأيض أثناء الراحة إلى انخفاض الكتلة العضلية، كما تنخفض مستويات بعض الأنزيمات المهمة لتفاعلات إنتاج الطاقة. ولا يظهر تأثير العمر فقط في معدل الأيض أثناء الراحة، بل أيضاً في صرف الطاقة أثناء النشاط، حيث يعاني كبار السن من انخفاض كبير في صرف الطاقة أثناء ممارسة الرياضة والأنشطة غير المرتبطة بها، وقد أثبتت الأبحاث أن ممارسة النشاط البدني يمكن أن يساعدنا في عيش حياة أطول وأكثر صحة وسعادة، لما له من دور وقائي وعلاجي من كافة الأمراض المزمنة.
دراسة حديثة: أظهرت مراجعة منهجية في مجلة Lancet Healthy Longevity (2021) أن ممارسة النشاط البدني المعتدل لمدة 150 دقيقة أسبوعياً تقلل خطر الوفاة المبكرة بنسبة 28% لدى كبار السن.
يمكن أن يؤدي دمج الحركات والتمارين البسيطة في روتينك اليومي إلى تحسين صحتك العامة وجودة حياتك بشكل كبير، ممارسة النشاط البدني المعتدل الشدة من (3 – 5) مرات أسبوعياً على الأقل، ولمدة ساعة يومياً.
تعد الميتوكوندريا بمثابة بيوت أو مصانع الطاقة داخل الخلية، حيث تقوم بإنتاج جزيئات الطاقة الحيوية (ATP) التي تُعد الوقود الأساسي للعمليات الحيوية. ومع التقدم في العمر، تبدأ طفرات في الحمض النووي الخاص ببيوت الطاقة (الميتوكوندريا) بالظهور تدريجياً، مما يؤدي إلى تراجع في عددها وكفاءتها الوظيفية.
كما تشير الأبحاث إلى أن الشيخوخة تؤثر بشكل مباشر على المسارات الحيوية المسؤولة عن إعادة إنتاج الطاقة، وخصوصاً مسار التحلل الجلايكولي اللاهوائي (تحطيم السكر لاهوائياً)، الذي يُظهر انخفاضاً ملحوظاً في السعة لدى كبار السن. هذا التراجع في القدرة على إنتاج الطاقة يُعد أحد العوامل التي تسهم في ضعف الوظائف الحيوية المرتبطة بالتقدم في العمر.
ومن اللافت أن هذه التغيرات المرتبطة بالعمر لا تحدث بشكل موحد لدى الجميع، بل يبدو أنها تعتمد بشكل كبير على مستوى النشاط البدني. فقد كشفت دراسة حديثة أن كبار السن الذين يحافظون على مستويات عالية من النشاط البدني يمتلكون سعة ميتوكوندريا مماثلة لتلك التي يتمتع بها الشباب النشطون للغاية، مما يدل على أن الحركة والنشاط قد يكونان مفتاحاً للحفاظ على كفاءة مصانع الطاقة الخلوية مع التقدم في العمر.
إن التغيرات الفسيولوجية والبنيوية في العضلات والعظام والغضاريف والأنسجة الضامة المرتبطة بالشيخوخة لها تأثير سلبي على المدى الحركي للمفاصل والمرونة، وتدل النتائج البحثية على انخفاض ملموس في المرونة والمدى الحركي. وبالرغم من أن الملاحظات العلمية تشير إلى تراجع المدى الحركي والمرونة لدى كبار السن، إلا أن سرعة التراجع تختلف من شخص لآخر.
كما يختلف التراجع في مدى الحركة المرتبطة بالعمر بين مفاصل الجسم المختلفة، حيث يُظهر الجذع والكتف أكبر انخفاض في مدى الحركة والمرونة مع تقدم العمر. هناك أيضاً تأثير للجنس على فقدان مدى الحركة والمرونة المصاحبين للشيخوخة، ومن النقاط المهمة التي يجب مراعاتها أن التراجع في مدى الحركة والمرونة مع التقدم في السن لا يمكن تفسيره ببساطة فقط بالعمر؛ فعند الإناث مثلاً، يكون الانخفاض في المدى الحركي أبطأ من الذكور. كما أن هناك جدلاً في الأدبيات حول مساهمة مستويات النشاط البدني في التغيرات في مدى الحركة والمرونة لدى كبار السن، حيث أظهرت بعض الدراسات عدم وجود تأثير كبير للنشاط البدني على المرونة، بينما أظهرت دراسات أخرى أن هناك تأثيراً إيجابياً ضئيلاً للنشاط البدني على المرونة.
نتيجة لانخفاض المدى الحركي والمرونة لدى كبار السن، يجب.
يرتبط التقدم في السن بضمور العضلات، مع انخفاض متوسط في كتلة العضلات بنسبة 0.37% و0.47% سنوياً لدى الإناث والذكور على التوالي، كما يقل حجم الألياف العضلية مع تقدم العمر، مما يفسر ولو جزئياً انخفاض القوة العضلية لدى كبار السن. وتحدث هذه التغيرات نتيجة لخلل في عملية التمثيل الغذائي لبروتين العضلات، حيث تتسارع عمليات هدم البروتين العضلي، مقابل عمليات البناء.
كما تحدث التغيرات في القوة أيضاً بسبب تباطؤ سرعة التوصيل العصبي، كما تساهم التغيرات المرتبطة بالعمر على مستوى الميتوكوندريا (بيوت الطاقة)، وعمليات إعادة تدوير وإنتاج الطاقة في تقليل قدرة العضلات على التحمل.
إن ظاهرة انخفاض القوة العضلية والتحمل العام قد باتت أمراً واضحاً عند كبار السن، والسبب أنه في العقود الماضية لم يكن هناك أي تركيز على تنمية القوة العضلية خلال البرامج التدريبية للمتقدمين بالسن، وذلك لكون التدريب بالأثقال يتطلب جهداً عالياً وانقباضات عضلية قوية، والذي إن تم بطريقة غير صحيحة يؤدي إلى رفع حاد لضغط الدم، ويعد ارتفاع ضغط الدم الحاد خطراً على هؤلاء الأشخاص الذين عادة ما يعانون من ارتفاع ضغط الدم.
إن انخفاض قوة العضلات له تأثير كبير على الاستقلال في المهام الوظيفية اليومية، مثل النهوض من الكرسي والقيام بالوجبات الحياتية. ونظراً لأهمية القوة العضلية عند الإنسان سواء للإنجاز الرياضي أو لممارسة الأنشطة الحياتية، فإن علماء فسيولوجيا التدريب الرياضي بدأوا يولون أهمية أكبر لإدخال برامج القوة في تدريب كبار السن، وبمعدل مجموعة واحدة، من 10- 15 تكراراً، من 8-10 تمارين متنوعة لمدة يومين في الأسبوع على الأقل.
مع التقدم في السن، يمر الجسم بتحولات فسيولوجية تؤثر على تكوينه. من أبرز هذه التغيرات:
يزداد تراكم الدهون تدريجياً، خاصة في منطقة البطن (الدهون الحشوية)، مقارنة بدهون الأطراف. هذا التغير في التوزيع يرتبط بانخفاض النشاط البدني وضعف الكتلة العضلية وتغيرات هرمونية تحدث مع التقدم في العمر.
تتناقص الكتلة العضلية بشكل ملحوظ، وهو ما يُعرف بـفقدان العضلات المرتبط بالعمر (Sarcopenia). تشير الدراسات إلى أن النساء يفقدن ما بين 0.53% - 0.84% من كتلة عضلاتهن سنوياً، بينما يفقد الرجال ما بين 0.64% - 1.29%. وقد أظهرت دراسة شملت رجالاً تتراوح أعمارهم بين 20 - 96 عاماً أن هناك خسارة تُقدّر بحوالي 4 كغم من الكتلة العضلية بين سن 50 - 89 عاماً، وحدث ثلثا هذه الخسارة بعد سن 80، تعد خسارة الكتلة العضلية مع التقدم بالعمر من أهم أسباب الإصابة في مرض الساركوبينيا.
هي حالة مرضية مرتبطة بالتقدم في العمر، تتمثل في الفقدان التدريجي للكتلة العضلية والقوة والقدرة الوظيفية للعضلات الهيكلية، وتُعد من أكثر الأسباب شيوعًا لضعف العضلات لدى كبار السن.
ما الذي يحدث في الساركوبينيا؟
مع التقدم في العمر، يبدأ الجسم بفقدان جزء من الكتلة العضلية بمعدل متزايد، ويصاحب ذلك:
العلاقة مباشرة وقوية، إذ إن:
ملاحظة تصميم برامج مقاومة تعتمد بالأساس
التعليقات