النشاط البدني لكبار السن.. ركيزة للصحة والوقاية من الأمراض
العدد 165 - 2026
إن الاختلاف بين النوم والتمرينات البدنية كالاختلاف بين الأبيض والأسود والليل والنهار فهما متناقضان، إلا أن أحدهما يتصل بالآخر، فبدون النوم الكافي والعميق لن نستطيع التركيز و بذل الجهد البدني؛ لأننا سوف نشعر بالتعب والإرهاق، وبدون النشاط البدني والتمرينات البدنية المنتظمة والآمنة حسب العمر والحالة البدنية والصحية، سوف يتأثر النوم سلباً؛ فكلاهما (النوم والنشاط البدني) مرتبطان معاً بطريقة لا تقبل الانفصال، على الرغم من أنهما على طرفي نقيض، من منظور النشاط والحركة والسكون والهدوء والطمأنينة.
فبينما تحتاج التمرينات البدنية إلى النشاط والحيوية واليقظة البدنية والذهنية والاستعداد لشحن الطاقة وزيادة معدل ضربات القلب ورفع ضغط الدم وزيادة عدد مرات التنفس ورفع درجة حرارة الجسم وتركيز الجهد الموجه لأداء النشاط البدني والحركي، يأتي النوم على العكس تماماً؛ من قلة الحركة الواعية والمقصودة أو عدمها.
بأي حال، وعلى الرغم من اختلافهما، فإن التمرينات البدنية المنتظمة تعد جزءاً أساسياً من منظومة النوم الهادئ كما أنه يمثل جزءاً أساسياً من أسلوب الحياة الصحي، ليعزز جودة الحياة ويقي من العديد من الأمراض المزمنة.
ومن بين كل المشكلات الطبية اليوم، يشخَّص القليل منها على أنها اضطرابات نوم بناء على ما صرحت به جمعية اضطرابات النوم الأمريكية، فالمصابون بالأرق المزمن لا يمرون فقط بليال يائسة وصعبة، بل يشعرون عادة بأنهم منهكون جداً حد الإرهاق، مما يؤثر على الإنتاجية، ويبعدهم عن ممارسة الأنشطة البدنية والترفيهية والارتباطات الاجتماعية، ما يفسد حياتهم العملية والأسرية .
أثبت الدراسات إن فقدان النوم يتراكم، وهناك الكثير من الناس لديهم عجز في ساعات النوم بصورة خطيرة جداً، فهؤلاء أبطأ في التعافي من الضغوط النفسية والتوتر وأكثر عرضة للعدوى وانخفاض المناعة وأكثر عرضة للإصابة بأمراض أخرى. في المقابل فإن وظائف جهاز المناعة تصبح أفضل بصورة كبيرة بعد النوم الجيد، وأظهرت الدراسات أن الخلايا المناعية القاتلة الطبيعية (والتي تهاجم العناصر الغريبة في أجسامنا) أقل نشاطاً في الأشخاص المصابين بالأرق، ونوعاً ما أكثر نشاطاً في المرضى الذين ينامون بصورة طبيعية ويمارسون الأنشطة البدنية المنتظمة.
فالنوم يستلزم استرخاءً ذهنياً وبدنياً وتقليل فترة الاستيقاظ إلى أدنى حد لكي يتم الوصول إلى حالة الهدوء والراحة، فهو يشبه حالة الموت "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الزمر 42، وكما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ".
من هذا المنطلق، اهتم العلماء بدراسة الأرق والعوامل المؤثرة على النوم لدى الإنسان، خاصة تلك المتعلقة بالأساليب السلوكية التي يمكن أن تؤدي إلى سرعة الخلود للنوم، وتحسين نوعية النوم ومدته.
وغني عن القول، أن التدخل الدوائي الذي يستخدم بفاعلية على المدى القصير في مجابهة الأرق، له الكثير من الآثار الجانبية في حالة استخدامه على المدى الطويل، مما يجعل الأوساط الطبية لا تحبذ استخدامه في تلك الحالات التي يصبح فيها الأرق مزمناً.
تعد ممارسة النشاط البدني بانتظام من الأساليب السلوكية التي أظهرت نتائج إيجابية مشجعة في التغلب على صعوبة النوم. غير أن هناك العديد من التساؤلات التي يمكن أن يطرحها الشخص بشأن تأثير النشاط البدني على النوم ومنها:
أجريت في العقدين الماضيين العديد من البحوث العلمية بغرض معرفة تأثيرات ممارسة النشاط البدني على النوم، سواء لدى الأشخاص الأصحاء الذين لا يعانون من مشكلات في النوم، أو لدى الأفراد الذين يعانون من صعوبات في الخلود إلى النوم.
وتشير نتائج التوصيات العلمية أن النشاط البدني معتدل الشدة يؤدي إلى تحسين النوم من خلال زيادة فترات النوم ذات الموجات الدماغية البطيئة (Slow waves) وكذلك زيادة مدة النوم الإجمالية، وانخفاض فترة حالات حركة العين السريعة (. (REM
وعلى عكس النشاط البدني المعتدل الشدة، فإن النشاط البدني العنيف، خاصة إذا تمت ممارسته قبل فترة النوم بقليل، يمكن أن يقود إلى تأخير حالة الشعور بالحاجة إلى النوم لدى لإنسان، ويرتبط ذلك بزيادة نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي، والذي يؤدي لارتفاع درجة حرارة الجسم الداخلية، الناجمة عن النشاط البدني، لذا ينبغي أن يكون توقيت ممارسة النشاط البدني، خاصة إذا كان عنيفاً، بعيداً عن فترة النوم بوقت كافٍ (بعدة ساعات على الأقل).
ولعل الأهمية الكبرى لممارسة النشاط البدني تكمن في الواقع في تحسين النوم لدى الأفراد الذين يعانون من صعوبات في الخلود إلى النوم المزاج والحد من التوتر وتعزيز الحالة النفسية والمزاجية وتنشيط هرمونات الشعور بالسعادة، والوقاية من الاكتئاب؛ فكما هو معروف، فإن النشاط البدني المنتظم يقود إلى خفض القلق والكآبة، وهما عنصران لهما تأثير سلبي على النوم. كما أن النشاط البدني يؤدي إلى عملية ضبط للإيقاع البيولوجي في الجسم (أوقات اليقظة والنوم)، مما يساهم في الخلود إلى النوم بسرعة وتحسين جودة النوم الليلي.
خلاصة القول أن جرعة من النشاط البدني في وقت الصباح قد لا يكون لها تأثير سلبي على النوم، بغض النظر عن شدة النشاط البدني أو مدته. أما جرعة من النشاط البدني المعتدل الشدة أثناء فترة العصر أو الساعات الأولى من المساء، فيعتقد أن لها تأثير مساعد على نوم صحي هادئ وعميق.
ويعد النشاط البدني المرتفع الشدة، الذي يمارس قبيل فترة النوم بمدة وجيزة ذا تأثير سلبي على الشعور بالنوم، خاصة لدى الأفراد غير المعتادين على ممارسة النشاط البدني العنيف.
في المقابل، فإن الحرمان من النوم وزيادة ساعات السهر ترتبط في انخفاض قدرة الشخص على القيام بجهد بدني، حيث أظهرت نتائج البحوث في هذا الصدد أن الحرمان من النوم يؤثر سلباً على الأداء البدني، حيث ترتفع معدلات ضربات القلب بشكل أعلى، ويزداد حجم التهوية الرئوية، كما أن سرعة رد الفعل لدى الشخص تنخفض من جراء الحرمان من النوم.
التعليقات