محمد الشعّالي.. بين شغف الحياة ومسؤولية الدوبلوماسية
العدد 166 - 2026
" محمد الشعّالي" شخصية دبلوماسية مفعمة بحب الحياة والعمل وحب الإمارات، عزيمته على العمل تضاهي الشباب حديثي التخرج، رغم رحلة العمل الطويلة بالسلك الدبلوماسي بهمومها وثِقل مسؤولياتها، لأن عمله كان بمنابر عالمية لها اليد الطولى بصناعة القرار كمجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، استضافته مرامي لتستأنس بحديثه الذي اختصر رؤياه للحياة من الأمس مروراً باليوم والتطلع للغد الجميل، فلنستمتع بحديثه مشكوراً…
قبل تحديات الغربة المهنية بالعمل بوزارة الخارجية والاحتكاك بالثقافة الغربية بمجملها، سبقه تحدي التغرب الأساسي لدراسة الإدارة والاقتصاد في بيروت، إذ فوجئت بالصدمة الثقافية مقارنةً بمجتمعي البسيط يومها، وقد كسبت الكثير من المعارف ببيروت فكانت مدرسة شاملة إضافة لدراستي الأكاديمية. وكنت أول فرد بعائلتي يدرس بالخارج فنجاحي أو فشلي سيكون نموذج للأخرين، وكان الوالد داعمي للتعلم لاهتمامه بالتعلم وقد كان له دور كبير بفتح المدارس النظامية بعجمان بتعاونه مع الشيخ حميد بن راشد النعيمي لاقناعهما الشيخ راشد بن حميد النعيمي بأهمية التعليم وفتح المدارس، فكان والدي يذهب بسيارته ليقل المدرسين من المطار بمحطة الشارقة ويسهر معهم ويدعوهم لمنزلنا، وقد خصص لنا طاولة للدراسة بالمنزل ويجلس أمامنا لتشجيعنا على الدراسة.
بأواخر المرحلة الثانوية تشكلت لديّ ميولي الأدبية وكتبت القصة والشعر، بالرغم من كوني كنا نقيم بدبي يومها وكانت الدراسة بالإمارات الشمالية الأربعة مقسمة لقسمين، فدراسة التخصص العلمي كان يُدرس بثانوية دبي بينما الأدبي بثانوية الشارقة، لمحدودية عدد الطلبة بذلك الوقت وبالتالي عدد الصفوف، لم تكن الحياة مترفة بل صعبة لذلك تقييم جيلنا للإزدهار والخير الذي تحقق بالإمارات هو الأعمق والأكبر. وكانت صحبة الطلبة الطموحين تؤدي لما يسمى بعدوى النجاح لرفع الإرادة لمواجهة التحدي والنجاح لتوافر معيار لقياس قدراتنا وذكائنا وطموحنا.
لأنني عشت مرحلة البنيان من بداية تأسيس الدولة وعرفت معنى الصعاب التي كنا نعيشها، واجتهدت بالتعلم دون كلل ثم الأمانة بممارسة المهنة وتشريف بلدي في الخارج بسلوكياتي كممثل دبلوماسي، بتُ أُثمن العمل وأقدسه وهذا ما أرجو أن يكون عليه كل شاب إماراتي ليكون شريكاً لاستدامة الإزدهار والنهوض به فيكون داعم لعملية التوطين لتحقيق أهدافها الجوهرية، ولا ضير بالحاق الشباب بدورات تدريبية قبل العمل كتلك التي تبنتها حكومة دبي، لتوعية الشباب على أن العمل هو الذي يحقق قيمة الفرد في المجتمع قبل الكسب المادي، ومعرفة ما عليه من واجبات للحفاظ على المكاسب الوطنية التي لم تتحقق بكبسة زر بل بالنضال ومواجهة التحديات. وقد عرفنا قيمة العمل منذ الصغِر بالسابق فكنت مثلاً بعمر الثامنة أذهب لصيد سمك وجبة الغداء لأسرتي بعد المدرسة يومياً، وطوال إجازة الصيف كنت أعمل مع والدي.وهذا سيجنب الشباب تقليد المظاهر الدخيلة على ثقافتنا كالتباهي بالعلامات التجارية العالمية والتكلف باقتنائها دون وعي ونبذ الثقافة الاستهلاكية البحتة الهدّامة.
كنت أوازن بين الطرفين بحكم عملي، فبلا شك القراءة تبني الإنسان وتزيده صلابة لمواجهة كل الصعاب، لذا أدعو شبابنا للقراءة المكثفة وأخشى عليهم من عدم معاودة فتح الكتاب وقراءته بعد غلق كتابهم المنهجي قبل التخرج، فالقراءة تفتح أفاق التفكير وهذا سيدعم عملية اتخاذ القرارات البناءة والعكس صحيح فالقرار السليم يكون وليد المعرفة التي هي مصدر القوة الحقيقية، ودولة الإمارات لم توفر جهد بتهيئة البيئة الخصبة للقراءة من حيث توفير الكتاب وإقامة معارض الكتاب وبمستويات عالمية.
أما الصحبة فجاءت بحكم عملي بالعلاقات الثنائية والعلاقات المتعددة الأطراف أي بعملي كممثل دولة الإمارات بالأمم المتحدة، وكنا متسلحين بتوجيهات القائد المؤسس الشيخ زايد آل نهيان التي أهمها الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية، وكنت محظوظ بتمثيلي دولة الإمارات بمجلس الأمن بسنوات شاقة متأزمة أثناء حرب العراقية – الإيرانية، وكانت تجربة يفوق أثرها التعليمي على سنوات دراسة جامعية متقدمة، لأن المعرفة المكتسبة من المطبخ السياسي العالمي الساخن كان إضافة متميزة الى جانب المكاسب المعرفية الشخصية بالإحتكاك بمن يمثلون دولهم وثقافاتهم بمجلس الأمن
العمل الدبلوماسي عمل حساس ويتتطلب الحرفية كمهنة النجارة والحدادة، ولها معايير ومقاييس وأهم مفاتيح نجاحها هي المعرفة الشاملة وبكافة المجالات، وأرى في الدبلوماسي كورقة الجوكر بلعبة الورق أي له القدرة على التناغم مع كافة المواقف، وأهم جوانب معرفة الدبلوماسي تبدأ من علمه ببلاده وكل ما يتعلق بها وطريقة تفكير صناع القرار فيها، وعملي لعشرة سنوات في الأمم المتحدة ساعدني باجتياز ذلك التحدي.
قد يكون لتخصص كل إمارة بجانب والإبداع به هو السبب بذلك، فإمارة أبو ظبي أخذت الجانب السياسي وتفوقت به، ودبي ركزت جهودها بتنمية العمل التجاري والسياحي والاقتصادي وأبهرت العالم بذلك، والشارقة تحت راية حاكمها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، حصن أعمدتها بالصروح الجامعية العالمية المستوى، المكتبات، المتاحف وأكاديميات الفن، الفلك والفضاء ومعارض الكتاب، وابتكار برامج لبناء الإنسان وجعل الشارقة عاصمة للثقافة المستدامة، لأن ما يخصصه لتنفيذ البرامج الثقافية أكبر من أي شيء أخر.ونأمل لهذه المؤسسات الاستمرارية والتألق بفضل سياسته الحكيمة، وكذلك باقي الإمارات.
بما أني ولدت في البحر وكنت سأنتهي غريقاً وأنا رضيع بعمر الشهر، لذا ألفت البحر وكل ما يتعلق به وعليه كنت قد أسست عام 1982 مصنع للسفن واليخوت Gulf Craft واعتبر عملي بهذه الشركة كهواية، لأننا عائلة تنتمي للبحر والوالد حسين محمد الشعالي كان بحار وغواص وتاجر والبحر صنعته، وللبحر دور كبير وعلاقة متينة مع عموم الإماراتين، ولا زلت أعمل كل يوم بحدود الثمان ساعات في الشركة، ولأننا نحب عملنا لذلك نبدع ونبتكر الأفضل بمنتجاتنا، ولا يخلو ميناء بالعالم من يخت أو سفينة من صناعتنا، وقد جاءت فكرة إنشاء هذا المصنع كي أسهم وعائلتي بالنهضة الوطنية ونكون منتجين لما يحقق الخير لنا ولبلادنا، ويعمل بهذه الشركة الف وخمسمائة شخص ويسود العمل روح الفريق الواحد لأننا نعمل كعائلة متماسكة دون أي تمييز وهذا سر نجاحنا.
التعليقات