الشيخة حور القاسمي: الشارقة... تصنع بيئة تحتضن الفن والثقافة

الشيخة حور القاسمي: الشارقة... تصنع بيئة تحتضن الفن والثقافة
الشيخة حور القاسمي: الشارقة... تصنع بيئة تحتضن الفن والثقافة

شخصية مميزة بكل خصالها وكل ما يمت لها من صلة، يكفي أنها غِرسة والدين فاضلين حكيمين، الوالد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وراعيها، والوالدة سمو الشيخة جواهر القاسمي، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، صاحبة القلب الكبير، حفظهما الله.
سمو الشيخة حور القاسمي فنانة مميزة لها بصمتها المتناغمة مع مقولة الفيلسوف والطبيب الإنجليزي جون لوك بقوله: "يُلون الفن الحياة كما تلون الشمس الأزهار"، فلنتلمس بعيوننا ما جاد به قلم الضيفة الكريمة عبر الحوار التالي:

كيف تصف سمو الشيخة حور القاسمي رحلتها في عالم الفن، ومعطيات البيئة التي أغنت عطاءها الفني؟

ارتياد عالم الفن واستكشاف مساراته المتعددة، جاء بوصفه مساراً متنامياً تشكّل عند تقاطع الشغف الشخصي مع بيئة ثقافية استثنائية تتّسم بها إمارة الشارقة؛ الإمارة النابضة بمناخ ثقافي وإبداعي أصيل، شكّل ملامحه وأطلق خطواته الأولى، والدي صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أدامه الله وأبقاه، والذي أدين له وللإمارة التي نشأت بربوعها، بتطور هذا الشغف وتحوّله لممارسة يومية ومستمرة.
من جهة أخرى، كان لوالدتي سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، دورٌ كبير أيضاً بتعميق اهتماماتنا الفنية وتطوير ذائقتنا الجمالية، حيث كانت باستمرار تدفعنا لأخذ دروسٍ بالفن، وتحثّنا لمتابعة دروس البيانو، فتشكّلت منذ طفولتنا البيئة الداعمة واللازمة لتأصيل شغفنا وميولنا الفنية. ولا شك أن هذه الرحلة قد شهدت العديد من التحولات النوعية والتطورات المتلاحقة التي طرأت عليها عبر سنوات اشتغالي بهذا العالم الذي لا يكفّ عن التجدّد.

ما الخطوات التي سبقت تبلور مشروعك الفني والثقافي، والبداية الحقيقية لانطلاق مسيرتك الفنية؟

ملامح مشروعي الفني والثقافي تنامت وتطوّرت تدريجياً، بدأت بالدراسة الأكاديمية للفنون بلندن، إضافةً لاستغراقي بالتعرف على أهم التظاهرات الفنية الدولية والمحافل الاحترافية التي أسهمت بتشكيل ذائقتي البصرية وتعميق الوعي المعرفي بموضوعات الفن الراهنة والحاسمة آنذاك، وهو ما أسّس لرؤيتي لدور الفن كحقل إنتاج وحوار.
والبداية الفعلية لانطلاق المسيرة ارتبطت بانخراطي المبكر ببينالي الشارقة 2003، لإتاحته العمل المؤسسي والتفاعل مع تجارب فنية عالمية، وتوضح هذا المسار بتأسيس مؤسسة الشارقة للفنون 2009، بوصفه مشروعاً يسعى لدعم الممارسات المعاصرة وفتح فضاءات جديدة للتفكير والإنتاج الفني.

للشارقة جمالية مميزة بين غيرها من الإمارات العامرة، بحسكم الفني كفنانة تتذوق الفن المعماري، ما هي خصوصيتها بالفن المعماري؟

تمتاز الشارقة بهوية عمرانية متناغمة، تستند بجوهرها لطراز العمارة الإسلامية الذي تتسم به معظم صروحها ومبانيها الرسمية، بما يمنح المدينة تماسكاً بصرياً واضحاً وخصوصية متفردة. غير أنّ هذا المشهد لا يقتصر على استعادة التراث، بل ينفتح أيضاً على تجارب معمارية مختلفة تثري هذا التنوع. ولعلّ نموذج مبنى "الطبق الطائر" يقدّم مثالاً لافتاً لهذا التداخل؛ إذ شُيّد بسبعينيات القرن الماضي بأسلوب حداثي قريب من العمارة الوحشية، قبل إعادة تأهيله ليغدو فضاءً فنياً ومجتمعياً معاصراً، جامعاً بين الذاكرة المعمارية وروح التجديد. بهذا المعنى، تتبدّى الشارقة كمدينة تنسج هويتها العمرانية بين الأصالة والتجريب، دون فقدان انسجامها الداخلي.

ما هي أهم محطات العطاء الفني بحياة سمو الشيخة حور القاسمي، وإسهاماتها بتطوير الواقع الفني؟

بالنسبة لي، لا أميل لتصنيف اشتغالي بالحقل الفني ضمن محطات منفصلة أو مشاريع ومبادرات محددة، بل أراه مساراً واحداً متصلاً يتشكّل ويتنامى عبر التجربة والممارسة اليومية. إنه عمل قائم على البحث الدائم عن إمكانات جديدة لتطوير البنية الثقافية والإبداعية، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، وإيجاد السبل اللازمة لدعم الفنانين وتمكينهم، وتوسيع آفاق التبادل الثقافي والحوار بين التجارب الإبداعية، وذلك انطلاقاً من المشاريع والمبادرات التي تتضمنها برامجنا بمؤسسة الشارقة للفنون، التي تشكلت بالأصل انطلاقاً من معاينة الواقع المحلي وتلبية الاحتياجات اللازمة التي يتطلبها لتطوير إمكاناته الفنية والإبداعية، وربطه مع المستجدات التي يشهدها الفن على المستوى العالمي.

ما هي أهم أهداف جامعة الفنون في الشارقة والتي تتشرفون بترؤسها؟

تأسست جامعة الفنون في الشارقة بدمج استراتيجي بين مؤسستين قائمتين هما: كلية الفنون والتصميم، وأكاديمية الشارقة للفنون الأدائية، وقد عملت كلتا المؤسستين بنجاح ولسنوات طويلة، بترسيخ أسس تعليمية وإبداعية، فقد كرّست كلية الفنون والتصميم جهودها لتنمية ممارسات الفنون البصرية والتصميم، فيما رسّخت أكاديمية الفنون الأدائية حضورها كمؤسسة رائدة بمجالات المسرح والموسيقى والفنون الأدائية. وقد وُحّدت المؤسستان ضمن كيان أكاديمي يجمع هذه التخصصات ببيئة تعليمية وإبداعية متكاملة.
تضم جامعة الفنون حالياً نحو 600 طالب وطالبة، بما يعكس تنامي دورها كمركز إقليمي لتعليم الفنون وتطوير الممارسات الإبداعية. وتسعى الجامعة لمواصلة سعيها بخلق بيئة تعليمية تدمج بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الإبداعية، بما يسهم بإعداد جيل جديد من الفنانين والممارسين الثقافيين قادرين على التعامل مع التحولات المعاصرة بالحقل الفني. كما تسعى لتعزيز البحث الفني والنقدي، وتطوير مناهج تعليمية معاصرة تواكب التجارب العالمية.

هل نتوقع توسع القاعدة الطلابية للإقبال على دراسة الفنون بهذه الجامعة؟

نسعى لجعل الالتحاق بالجامعة نابعاً من وعي ثقافي بأهمية الفنون ودورها بتطوير البنية الاجتماعية والإنسانية. ونأمل تحقيق ذلك ببرامج أكاديمية حديثة ومتكاملة، تجمع بين الدراسة النظرية والممارسة العملية، بما يوفّر بيئة جاذبة للطلبة الراغبين بالتعمّق بالفنون ضمن سياق احترافي ومعاصر.
أما على مستوى التوجهات، فهناك حرص لأن تكون الجامعة مساحة مفتوحة ومتعددة التخصصات، تستوعب مختلف الاهتمامات الفنية، وتواكب التحولات المتسارعة بالحقول الإبداعية، مع التركيز على جودة التعليم، وتوفير بيئة بحثية وإنتاجية محفّزة، تسهم بإعداد جيل من الممارسين القادرين على التفكير النقدي والإبداعي في آن واحد.

كيف تقيّمون تجربتكم المتميزة بعالم الفن والدروس التي اشتُقت منها لتكون درساً لكل فنان مبتدئ؟

الاشتغال بالحقل الفني يتطلّب أولاً الإيمان العميق بأهمية الفن وجدواه، ويتطلّب الإيمان بالذات وبالقدرة على الإبداع والمساهمة بجعل العالم أكثر جمالاً وسموّاً وإنسانية. فالفن بجوهره، ممارسة روحية وجمالية تمنح الحياة معنى أوسع، وتفتح أمام الإنسان إمكانات أرحب للفهم والتأمل وإعادة اكتشاف العالم من حوله.

هنا يمكن القول: إن الرحلة بعالم الفن، لا تقاس بغاياتها أو مآلاتها، بقدر ما تتشكل أهميتها من الرحلة بحدّ ذاتها، الرحلة المفعمة بالبحث والتأمل والعمل والإنجاز والشغف، وإلى آخر ما هنالك من حالات لصيقة بالفن والإبداع، وعليه فإننا إذا أردنا الانخراط بالفن، فلننخرط بكامل كياننا، ولنعش تجربة حقيقية وغامرة.

ما أثر دخول الذكاء الاصطناعي لمرافق الحياة الفنية، وكيف سيتم التفاعل معها؟

أعتقد أن الفن مرتبط أولاً وأخيراً، بالروح والمخيلة والتفكير الإبداعي النقدي، تلك الأمور التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحوزها بمعناها الإنساني، غير أنّ دخول الذكاء الاصطناعي للحياة الفنية لا يُحدث قطيعة بقدر ما يفتح مساحة جديدة من التداخل والتحوّل بأدوات الإنتاج والتفكير البصري.
ويمكن النظر إليه كوسيط إضافي يوسّع إمكانات التجريب، ويمنح الفنان أدوات جديدة لاستكشاف الصورة وإعادة تشكيلها بطرق غير مسبوقة، سواء على مستوى التوليد البصري أو تحليل المعطيات أو بناء أنساق جمالية مختلفة. وبالتالي، فإن التفاعل مع الذكاء الاصطناعي لا يقوم على الإحلال، بل على إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والأداة، بما يتيح للفن التطور دون فقد لبعده الإنساني العميق.

التعليقات