محمد الشعّالي.. بين شغف الحياة ومسؤولية الدوبلوماسية
العدد 166 - 2026
لم تأتي حكايا الكاتبة فاطمة المزروعي من خِصب الخيال بل من واقع ارتشفت عصارته من كتب أرشيف المكتبة الوطنية،وما روته والدتها من قصص وأحداث عاشتها ببواكير حياتها في أبو ظبي، فكانت الحصيلة روايات من وقع حدث معاش متفننة بصياغته بأسلوبها الأدبي الجميل، فاستحقت التكريم بجوائز عدة ولعل الأحدث منها " جائزة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية، وقد كان لمرامي معها الحوار التالي؛
ابتسامتي صنعها مجتمعي الإيجابي بكل تفاصيله بفضل حكمة قيادتنا وشيوخنا أصحاب السمو وشيخاتنا الأكارم، ودعمهم السخي للمرأة الإماراتية بدءاً من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك أم الإمارات وسمو الشيخة جواهر القاسمي، فالابتسامة تزرعها الحوافز والمناخ الإيجابي مع المرأة، وأذكر قصة " جميلة" التي قرأتها ويتحدث فيها الوالد الشيخ زايد عن أمنيته ب" تعلم المرأة" رغم أن الفكرة كانت مرفوضة اجتماعياً بالستينات يوم تسنمه حكم أبو ظبي.إضافةً لتوفر كل مستلزمات النجاح كالمكتبات، النشاطات الثقافية، المعارض والمؤتمرات، ففرح ملامحي وليد معطيات البيئة الإماراتية.
الكتابة تأتي على وقع جهد أكابده لتوصيل حيثيات تفاصيل حياتنا الاجتماعية الصغيرة للقارئ، فالكتابة مجهدة رغم جماليتها وتستهلك طاقة الكاتب فكل شخصية أكتب عنها تتجسد فيّ وتلمس أعماقي طوال فترة الكتابة، فكثيراً ما بكيت لحزن بطلاتي ومعاناتهم لتعرضهم للهجر والمحاصرة اجتماعياً والعكس صحيح، ولأني كنت الأبنة الكبرى لأخواتي وكانت والدتي تصطحبني معها للمجالس النسائية حتى بصغر سني، كانت والدتي عظيمة والكل يلتمس منها فيها العون والحكمة والاستشارة ورغم أميتها، كانت تحثني على التعلم بإصرارها.فالتعليم برأيها خير عون للمرأة قبل وبعد الزواج.
بكتاباتي كنت استمد ملامح السيدة القوية منها وكانت الصبورة أقوى من معاناتها رغم مرضها الشديد، كانت تساعد الكل لكن يوم ألمها كانت تكتم أنين كسرتها وراء الباب وحتى على أقرب الناس اليها، فكنت كثيراً ما أسمع صرخة تألمها والباب موصدة لتخفيه عنا، فقوتها معيني بالكتابة لتحدي الصعاب ومواجهة التحديات. فرسمت صورة الزوجة والحبيبة من وقع صورة والدتي العظيمة.
بل مرضها وأنا بعمر التاسعة، وقرارها الانعزال مع الألم والمستشفيات ومراجعة الأطباء لأشعر بالوحدة، فالتصقت بجدتي لوالدي التي تكلفت بالعناية بنا وكانت راوية وحافظة للقرأن الكريم، فورثت عنها فصاحة اللسان وملامح الوجه الفرحة، فرحت أبحث عن العوالم التي تتطرق لها بحكاياتها وكم أسعدتها جوائزي الإحدى والعشرين، وأبكاني وقوعها فريسة الزهايمر وعوالم النسيان، وسأكتب عن هذا المشهد الدراماتيكي.
ولأني أجمع بمؤهلاتي العلمية بين دراسة التاريخ مما أكسبني مهارة رواية الأحداث، والعلوم السياسية وبدرجة الماجستير فبرعت بتحليل الوقائع السياسية وكتابة المقالات كالعمود الأسبوعي بجريدة البيان والعين الأخبارية كذلك.
أنا أعمل بقسم معني بالوثائق المواد الأرشيفية التي نجمعها من عدة مصادر بداخل الدولة وخارجها، ومؤسسات عريقة كالأرشيف البريطاني، والجمعية الملكية والمتحف البريطاني، والمكتبة البريطانية ولنا معهم اتفاقيات مهمة لتغذية أرشيفنا بما لديهم من وثائق عن الإمارات والخليج والمنطقة ككل، ولدينا اتفاقيات مع دول عديدة كفرنسا والمانيا والبرتغال والصين وروسيا والدول العربية والخليجة، وهذا يتطلب الجهد الكبير لثِقل المسؤولية المترتبة لاتساع خططه وأهمية إصداراته، كإصدار مجلدات بيوميات أصحاب السمو الشيوخ كيوميات الشيخ خليفة بن زايد، ويوميات الشيخ منصور بن زايد، ويوميات الشيخ محمد بن زايد، ويوميات الشيخ محمد بن راشد، ويوميات الشيخ حمدان بن محمد بن راشد. حضورنا فاعل بمعارض الكتب الدولية ونتعاون مع كافة البرامج والمكتبات التعليمية، إضافة لتقديمي محاضرات داخل وخارج الأرشيف، وتنفيذ الورش بكتابة القصة والمقالات لمختلف المكتبات المرموقة بالدولة.
الكتابة هي وقود طاقتي بلحظات الراحة والفراغ فالكتابة هي راحتي، وبطبعي قليلة النوم بما لا يزيد عن ثلاث ساعات لأصحو بمنتصف الليل وأدون ما خزنته ذاكرتي لأعاود النوم بعدها، وعملي لا ينتهي بعد العودة للبيت بل تكون لدي محاضرات عبر الأثير لدورات تدريبية وأنشطة ثقافية أخرى.وهذه النشاطات أقدمها مجاناً من خلاصة تجربتي للشباب المبتدأ بتجربة الكتابة كجزء من رد الجميل لمجتمعي المعطاء بسخاء، إضافة لمؤسسات داعمة تنفذ الدورات وترعاها، مثلاً عند كتابتي لمجموعة " وجه أرملة فاتنة" وهي من أجمل مجموعاتي التي تلمست بها نضجي أدبياً ومعرفياً بعد التعمق بالقراءة لأهم الكتاب واتقاني لآلية كتابة القصة، وفيها أسقطت كل ذكريات الطفولة وبراءتي وألعابي على مجتمعي وما يصادفني من سلوكيات وتوقعات سلوكية، وكيف أن قيمة الشخص تقررها خدماته وسلوكياته وكأنها لعبة الإختفاء أو " الغميضة" التي سخرت لصياغة أحداثها تفاصيل الالعاب التي أسعدتني بطفولتي وآلياتها وربطتها بالمجتمع، وقد نلت جائزة عليها كقصة ضمن مجموعة قصص أخرى، ثم شاركت بها في مهرجان سينمائي في أبو ظبي وحققت المركز الثالث كأفضل سيناريو لأنها بنيت على موضوع تقنية الكتابة والجري وراء التفاصيل الصغيرة.
هي عشرة نصوص تحكي قصص الأمس ببواكير تأسيس الإتحاد، وقد بنيت أحداثها من خلاصة قراءاتي بأرشيف المكتبة الوطنية، عن الأماكن التي لم أعاصرها بفترة الستينات والسبعينات إضافة لحكايا والدتي عن المنطقة التي عاشت بها بأبو ظبي " بارهوز" والأصل " باور هاوس" وحاليا" هي " منطقة المياه"، وهي أول منطقة حظيت بمكرمة الوالد الشيخ زايد وهي توزيع 200 بيت شعبي، حيث بدأت بوادر تطور الأنماط المعيشية، فمن خلال رواياتي رحت أعيد الحياة للمنطقة بأسلوب روائي بسرد أحداثها التاريخية كالحريق الضخم الذي شب فيها ببداية السبعينات واكتشاف البترول، وأصيغ الأحداث بتفاصيلها الدقيقة كاطمأنني على والدتي المريضة ويقيني أنها بخير إذا ما سمعت صوت " حجولها " وذلك في قصة "بنت المطر".
الفضل بذلك يعود للدكتورة مريم الهاشمي ألتي أدارت ورشة للرواية التاريخية بمعرض كتاب الشارقة، ونوقشت يومها روايتي" كحل إثمد" وبعد الجلسة طلبت مني الرواية وارتأت أنها تستحق الترشح للجائزة فقدمتها للمنافسة ولم يخطر ببالي أني سأنال الجائزة فالفرحة بها كانت مضاعفة كوني لم أبادر بالتقديم، الى حد أن بكيت رغماً عني لتفاجأي بالخبر فشكرا لها و للمكتب الثقافي على ثقته بنتاجي الأدبي.
التعليقات