مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم

مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم
مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم

في عالم تتقاطع فيه الثقافات وتتشابك فيه النكهات، تبرز الشيف الإماراتية مريم المنصوري كأحد الأصوات التي تعيد تعريف المطبخ الإماراتي، ليس بوصفه تجربة طهو فحسب، بل كسردية ثقافية متكاملة تحمل هوية المكان وتفاصيله وتحولاته.

بالنسبة لها، لا يمكن فصل الطبق عن تاريخه، ولا عن البيئة التي وُلد منها، ولا عن الأيدي التي نقلت وصفاته عبر الأجيال. فكل وصفة، كما تؤمن، هي حكاية—وكل حكاية هي امتداد لذاكرة وطن.

"أنا ما أقدم أكل… أنا أقدم ذاكرة وهوية إماراتية تُروى في كل طبق".

مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم
المطبخ… المدخل الأصدق لفهم الشعوب

تؤمن مريم بأن المطبخ هو اللغة الأكثر صدقًا لفهم الثقافات، حيث تختزن الأطباق تاريخ التبادل التجاري، وتعكس أثر البيئة المحلية والانفتاح على العالم. وترى أن كل طبق إماراتي هو نتاج توازن دقيق بين ما هو متوارث وما هو مكتسب، بين بساطة المكونات وعمق المعنى.

ورغم أن هذه الرحلة لم تكن مخططة منذ البداية—إذ بدأت أحلامها في مجالات الطب والتعليم، ثم اتجهت إلى الهندسة وعملت في تطوير النفط والمياه—إلا أن التحول الحقيقي بدأ من داخل منزلها، مع عائلتها وأطفالها الستة، حيث اكتشفت شغفها بالمطبخ بطريقة عفوية وعميقة.

مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم
من البيت… إلى مشروع يحمل رسالة

في تلك المساحة العائلية، بدأ الشغف يتحول إلى رؤية. لم يكن الهدف مجرد الطهي، بل تقديم طعام صحي، صادق، ومعبر عن البيئة الإماراتية. ومع القراءة والبحث، بدأت مريم تنظر إلى المطبخ كوسيلة لنقل المعرفة والثقافة، بما في ذلك قيم الضيافة التي تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية الإماراتية.

ومن هنا، انطلقت أولى خطواتها عبر تأسيس علامة Montauk، التي تعكس رؤيتها في تقديم تجربة معاصرة بروح إماراتية، وتسعى من خلالها إلى نقل المطبخ المحلي إلى مستوى عالمي من حيث المفهوم والتجربة.

اعتراف عالمي… ومسؤولية أكبر

في لحظة فارقة في مسيرتها، أصبحت مريم المنصوري أول إماراتية تحصد الجائزة الذهبية لأفضل فنون الطهي في فرنسا، في إنجاز لم يكن مجرد نجاح شخصي، بل اعتراف عالمي بقيمة المطبخ الإماراتي.

هذا التتويج، كما تصفه، لم يكن نهاية محطة، بل بداية لمسؤولية أكبر—مسؤولية تقديم المطبخ الإماراتي بصورة تليق به، وتُظهر عمقه وتفرده أمام العالم.

مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم
"كشتة أمينة"… حين يصبح المطعم تجربة ثقافية

انطلاقًا من هذه الرؤية، أطلقت مشروعها "كشتة أمينة" في الشارقة، وهو مفهوم يتجاوز فكرة المطعم التقليدي ليقدم تجربة ثقافية متكاملة. يستلهم المشروع وصفاته من إرث عائلي متجذر في وصفات والدتها، ليعيد تقديمها بأسلوب معاصر يوازن بين الأصالة والتجديد.

ولا يقتصر الدور هنا على تقديم الطعام، بل يمتد إلى خلق مساحة للتفاعل والمعرفة، من خلال تجارب حية وجلسات وورش عمل تعرّف الزوار بالنكهات الإماراتية وتفاصيلها.

الاستدامة… التزام وليس اتجاهاً

تضع مريم الاستدامة في قلب مشاريعها، من خلال الاعتماد على المنتجات المحلية، ودعم المزارعين، وتقليل الهدر الغذائي، واستخدام مواد صديقة للبيئة. وتؤكد أن هذا التوجه لا ينبع من اتباع اتجاه عالمي، بل من إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الأرض والموارد.

مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم
الأمومة… مصدر الإلهام

رغم التحديات، خاصة مع مسؤولياتها كأم، ترى مريم أن التوازن ممكن. بل تعتبر الأمومة مصدر إلهام حقيقي، حيث تحرص على إشراك أطفالها في تجربتها، مما يعزز ارتباطهم بالمطبخ ويمنحهم الثقة بأنفسهم.

وفي منزلها، يتحول الطعام إلى لغة مشتركة تجمع العائلة، من والدتها إلى أطفالها، وصولًا إلى شريك حياتها—وهو أيضًا شيف—في تجربة تعكس روح الترابط التي تمتد إلى مشاريعها.

مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم
بين المحلية والعالمية

لم تقتصر رحلتها على الإطار المحلي، إذ حرصت خلال سفرها على استكشاف مطابخ العالم والتعلم من تقنياتها وأساليبها، مما أضاف إلى تجربتها بعدًا عالميًا، دون أن يفقدها ارتباطها العميق بجذورها.

ومع ذلك، تدرك أن المطبخ الإماراتي لا يزال بحاجة إلى حضور عالمي أوسع، خاصة في ظل الخلط الشائع بينه وبين المطابخ العربية الأخرى. وتؤكد أن التميز يكمن في التفاصيل الدقيقة—في النكهات، والتوابل، وأساليب التقديم، والسياق الثقافي لكل طبق.

مريم المنصوري… حكاية مطبخ إماراتي يعبر إلى العالم
رؤية تتجاوز المطبخ

بالنسبة لمريم المنصوري، لا يُختزل المشروع في مطعم أو علامة تجارية، بل هو جزء من رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ مكانة المطبخ الإماراتي عالميًا.

"المطبخ الإماراتي ليس تراثًا نحافظ عليه فقط، بل رسالة نعرّف بها العالم من نحن".

رحلة تُبنى بهدوء، وجبة بعد وجبة، وعلى نار هادئة… لكنها تحمل في عمقها طموحًا كبيرًا: أن يصبح المطبخ الإماراتي حاضرًا على الطاولة العالمية، لا كضيف، بل كهوية قائمة بذاتها.

التعليقات