تَخفّي الراوي في "حيوات بنكهة الرمان"

تَخفّي الراوي في "حيوات بنكهة الرمان"
تَخفّي الراوي في "حيوات بنكهة الرمان"

يتحرك الشاعر علي الشعالي مع أبعاد حياتية متنوعة ومختلفة في مجموعته القصصية "حيوات بنكهة الرمان/ دار الهدهد ـ دبي"، مستنداً على فنيات حكائية وسردية منها الكثافة المشهدية، تداخل الأحداث مع اللحظة الحاضرة والماضية، السرد بطريقة الأثر الرجعي "الفلاشباك"، تشابك "المونولوغ" مع عناصر القصة ليكون هذا المونولوغ هو البطل، إضافة للتشويق الناتج عن اختزال النص المروي بجمل متسارعة، ومتناغمة، تعكس تفكيك العمق النفسي للشخصيات المهمشة غالباً، ومحيطها الموضوعي، وإعادة تركيبها تزامنياً مع زمن السرد المتنوع مكانياً بين مكان نفسي، ولغوي، وواقعي، وطبيعي، وهذا ما نلمسه عبْر (160) صفحة، ضمت (11) قصة، أهداها الكاتب إلى أمه: "أقف رافعاً يديّ الاثنتين، خاشع البصر، خجلاً من القلة... إليك كلماتي، أمي، فاطمة بنت إبراهيم".

فكيف شابك المؤلف علي الشعالي سرد الحكايات بجمالية؟

تجيبنا البنية النصية عن كل ذلك بلغة شفيفة تنسج من قلب الحياة الأحداث ومنطوق الشخصيات وحكاياتها ومشاهدها وما يتراكب من حالاتها الباطنية في الأعماق نفسياً واسترجاعياً، فيجذب المتلقي والقارئ إلى منعطفات الذاكرة ودروب الحاضر وانتظارات الكشف عن ملامح الحدث والشخصية والمحور الغامض، ويجعله يشعر بالمفارقات المفاجئة التي تتكشف بالتدريج لا سيما في الخاتمة، وهو ديدن أغلب القصص التي اتخذت عناوينها من أسماء أبطالها أو من الانتماء للأمكنة الواقعية والرمزية، ومنها قصة "مظلات" المعتمدة على تخفي الضمير الراوي بمنطوق شخصية "ماجدة" المتقاعدة وما تبوح به عن حياتها كمدرسة طبيعيات جامعية، والتزاماتها التقليدية ببيتها وعاداتها القديمة، وكيف استغلت مشاركتها في القفزة الربيعية مع مظلتها لتحكي كيف أصبح أبناؤها في مناصب هامة، وكيف تغزو الوحشة بيتها الكبير، وكيف كانت تعيش مع زوجها خارج الأردن، وكيف تداخلت حياته كسياسي بارز بين السفر والترحال والحياة الواقعية وعشقه لصديقتها "جمانة" طبيبة الأسنان التي هي شريكتها الآن في لحظة القفز المظلي، وكيف سقط ذات مغامرة استكشافية من الجبل الشاهق ليصبح ميتاً بين الصخور، وكيف جاءت الخاتمة مفاجئة مع إشارة صريحة إلى الفاعل الذي كان هي، مما أدى إلى سقوط زوجها "سمير" لأنه خانها مع صديقتها "جمانة" التي ستسقط بعد قليل لأنها عطلت لها آلية مظلتها بمقص!

المونولوغ بين الذاكرة وغدها

بينما نلاحظ كيف تبدأ قصة (كازينو) من حدث مباشر يعرضه "مونولوغ" البطل وهو يتهيأ لرمية "النرد" متبادلاً الحكاية السردية مع المؤلف الذي يكمل البنية المعتمدة على رمزية الماء كمحور للقصة وانعكاسات تفاصيلها بين أمّ البطل "الخادمة" التي لا تقبل إلّا المال الحلال، رافضة ما يقدمه لها ابنها المقامر الذي بين رمية ورمية يشرد مستذكراً حياته الماضية عابراً من حكمة "خسارة الماء" كرمزية معبّرة عن المفارقات والمقارنات الأخرى بين الصحراء والمدينة والجوع والشبع والضمير اليقظ والميت.

خدعة الكتابة

وتبدأ قصة "باربرا" بتحية بطلتها الشخصية الرئيسة ذات السبعين عاماً للكاتب العربي الزائر "طلال" الجالس في مقهاها بشيكاغو ليحرر نصاً أتمّه قبل يومين، وتتابع حكيها عن حياتها ابتداءً من جدها "أينشتاين"! طالبة منه أن يكتب قصتها التي كتبها وباسمها أيضاً، لكنه يتظاهر بأنه نسي أن يكتبها وذلك بخدعة فنية تظهر في الخاتمة، أمّا الحركة الفنية الأخرى سياقياً فهي ظهور المؤلف الحقيقي مقنّعاً بالمؤلف طلال، وهنا، يندغم الضميران معاً لمواصلة فنية التحاور مع شخصية الحكاية "باربرا".

البطل والظل

ونلاحظ في قصة "حنيف" مسيرة البطل "حنيف" الذي جاء من "كيرالا" إلى عجمان منذ (30) سنة، ليكون الضمير المتكلم في قصة "البقال" وهو يحكي عن مراحل التطور في الإمارات من خلال تطور بقالته من تقليدية إلى حديثة، وكيف يكشف عوالم البيوت من مشتريات ساكنيها، وهذا ما فعله مع المستأجر الجديد "خميس الغريب" كشخصية غامضة، فيراقبه، إلى أن يتمّ القبض عليه.

رمزية الخاتمة

يعتمد القاص الشعالي على فنيات الخاتمة ورمزيتها أيضاً، فيتركها مفتوحة بأثر رجعي، أو يجعلها إشارية يفككها القارئ، ومن ذلك مثلاً، قصة "كافيين" التي تبدأ من مكانية جلسة يحكمها زمن الذاكرة الماضي ومكانها، حيث اجتمع زملاء الدراسة الجامعية ذات يوم، وسيلتقون في هذا اليوم بناء على اتصال الصديق القديم "سهيل"، فيخرج بطل القصة من دبي إلى برّ رأس الخيمة ليلتقيهم، ويوضح من خلال "مونولوغه" كيف لا يحب أن يسألوه عن حاله مثل زواجه المتأخر وتقاعده المبكر، ولكنه لم ينتظر كثيراً عندما جاء أولهم وهو ملثم، ولم يكشف عن وجهه إلاّ بعد أن يذكّره بأنه حمدان دارس التاريخ، فيحاول أن يصدقه رغم فروقات العمر والبنية الجسدية، ويصغي لمحدثه وهو ينتقل من حكاية لأخرى عن الجامعة والإسكندر المقدوني والإسكندرية والمدن الفينيقية والمقاهي ورموزها إلى أن مرت خمسون دقيقة، فيتصل بصديقه الذي يفاجئه بأن اللقاء في رأس العين وأنهم يستذكرونه، وما إن ينهي المكالمة ويعود لا يجد حمدان، فيتشكك، ويمضي، ثم يعود إلى المكان ذاته الخميس التالي، لكن حمدان لا يأتي، وبينما هو عائد إلى دبي يطلب كأس قهوة من كشك على الطريق، ليأتي الملثم وبيده القهوة، فيناديه: "حمدان"، فيجيبه: أنا "امتياز"، لكن البطل يتأكد من عينيه وصوته أنه هو، فيختتم القصة بقوله المباغت: "طيب، يا سيد امتياز، منذ متى لم تزر الإسكندرية؟".ص74
وضمن هذه الرمزية الإشارية الختامية تأتي قصة "برياني" لتحكي عن "أرسلان" بلسانه كمهاجر أفغاني وجد نفسه في "نيويورك" مذ كان في التاسعة عشرة، غيّر مهنته الموروثة كميكانيكي سيارات إلى طباخ شهير للبرياني، لكن ماضيه لا يغادره مثل موت أخيه نجيب الله في الحرب، وموت أمه بذات الرئة حيث لم يكن لديهم المال الكافي للمعالجة، وموت أبيه حزناً، ولم يتبقّ له سوى أخيه "عبدول" مدلل أمه لذكائه الدراسي الذي حمل شهاداته ورحل إلى دولة أجنبية، موضحاً كيف انتقل من "كشك" إلى مطعم يرتاده الناس، ومنهم شخصان غريبان خمّن أنهما موظفان لجهة ما، ليبدو لاحقاً أنهما من منظمة تابعة لتصنيف المطاعم، فيسألانه العديد من الأسئلة منها: "لماذا أنت هنا في نيويورك؟" فيجيب: "نحن هنا، يا سادة، لأنكم هناك". ص89
واللافت في هذه القصة جنوح البطل إلى منطوق شعري أحياناً، وتلك مفارقة تؤكد تخفّي المؤلف بشخصياته، مثل أقواله: "رحل كمن سبقوه، نجيب وأبي وأمي، لكن في الأرض لا في السماء، وتركني وحدي"، "أمّا تالي الأمر فرأيت الإيمان بنجاحنا ينمو في صدره كعشبة جبلية"، "وإذا لكزته بأطراف أصابعي انتفض كطير مبتلّ وانطلق".

شخصيات متخيلة للأبطال

وتنتسج الحبكة في قصة "الأشجار لا تتحرك" حول شخصية "جيزيل" التي تنتظرها بطلة القصة "هند" الإماراتية مع صديقاتها الأخريات من مختلف أقطار العالم للقيام برحلة تزلج على جبل "جيس" برأس الخيمة، وتنطلق إلى ذاكرتها استرجاعياً من صورة جدها السابع قبل قرنين من الزمان، معرجة على ما تبقّى من تلك الصورة وعادات أهلها في زمننا المعاصر، وصولاً لأيام الدراسة، معتقدة أن جاذبية جيزيل مغناطيسية، ولذلك اختطفت الحبيب الأول، كما أنها المنافسة الدائمة لها، لكن ما يحدث أثناء رحلة التزلج يجعل القارئ يتساءل: أين اختفت "جيزيل"؟ هل سقطت وماتت؟ هل حملت حقائبها ورحلت؟ ليكتشف مع الشخصيات الأخرى أنها شخصية متخيلة ووهمية.
وهذا الواقعي والاحتمالي يتأرجح مع بطل قصة "أرق" الستيني تأرجحاً نفسياً يظهر مع إجازته الشاطئية، وتحديداً عندما يلاحظ فرساً تغريه بالذهاب إليها، فيعيش تلك المغامرة التي يدخل فيها إلى بيت عجوز تكشف له عن أسباب أرقه، وتقترح عليه أن يبقى في عالمها الهادئ، لكنه يفضل العودة إلى الفندق ليطمئن على هاتفه الذي نسيه هناك ويكمل إجازته، وينام، وكأنه كان في حلم يقظة أو منام أو في عالم من الجان.
أمّا قصة "سيروان" واهتمامها بالتفاصيل، فتأتي جماليتها من محاولات بطلها "مسعود" في نشر أفكاره لمحاربة الجوع والفقر من خلال سفرياته المقنّعة برحلات سياحية، معتمداً على مقولته الحكيمة: "إن أردت ألا تجوع، فلا تشبع". ص120، ويضيف لمحاولاته تخزين غرفته بالأغذية إلى أن يأتي الجوعى فيستيقظ بين حالم ومنكر ليجد سكيناً على رقبته ويرى وجهاً بعظام بارزة يأمره بألا يتحرك بينما رفاقه يسرقون الأغذية من النافذة، وهنا يضحك إلى أن تحز السكين رقبته قليلاً متناسياً مقولة "سيروان": "مصيبة تأخر الفهم".
وتبدأ قصة "طنين" من الطبق الطائر في الشارقة كمكان واقعي لتجربة تطوعية للبطل الذي يتواصل مع الذكاء الاصطناعي "ألفا سيف" خالقاً عالمه الموازي، هارباً من "المونولوغ" إلى الشاشة مستعرضاً حياته إلى أن يستعيد مع الذاكرة مشهد غرق أخيه الصغير "سيف" في السيل بعدما تسلق الشجرة في رحلة شتوية، وهنا، يعود للنظارة الإلكترونية ليعيش عالمه الخالي من الطنين.

سيناريو الحدث داخل الحدث

وتختتم المجموعة قصة "عاملة الفندق" وهي "سماح" التي درست لتكون أمينة مكتبة، لكن ظروفها تضعها أمام العمل في الفندق لتنظف الغرف وتعيل أمها وأباها المتقاعد، فنراها تعرض على شاشة القصة تفاصيل المتناقضات النفسية والاجتماعية بين الفقراء والأغنياء، إلى أن يأتيها ذات مساء اتصال من المدير العام للفندق لتحضر لأمر عاجل، فتفعل، وتكتشف أن هناك عرضاً من "بكر" الغني المستأجر في الفندق منذ (7) أشهر لتكون معه أثناء اجتماعاته وصفقاته كونها تجيد التقليد والتمثيل، فتعود متأخرة إلى بيتها، لتفكر وتتصل موافقة شرط عدم التصوير، إلا أن الجواب لم يكن سوى ضحكات.

التعليقات