كثافة الزمن المسرحي في "مساء للموت"

كثافة الزمن المسرحي في "مساء للموت"
كثافة الزمن المسرحي في "مساء للموت"
كيف تخرج الكاتبة باسمة يونس عن رتابة الإيقاع في مسرحيتها "مساء للموت"؟

يتحرك النص المسرحي المؤلف من فصل واحد و(9) مشاهد و(130) صفحة ضمن حدث التشكيك بأخلاقيات "مريم" التي اختارت "غانم" زوجاً رغم أنه بحار بسيط يعمل لدى النوخذة (مبارك) الذي رفضته عندما تقدم ليرتبط بها، وهذا يجعل نار الحقد والانتقام والغيرة تشتعل في قلبه إلى أن يثأر من "مريم" المخلصة من خلال زوجها العائد من رحلة صيد بحرية، ويفتن له عن تهمة ألّفها تتمحور حول تأكيده على علاقة آثمة بين "مريم" وابن عمها "بدر" الذي هو في الواقع بمثابة أخ عزيز لها، وهذا ما يجعل ثقة غانم بنفسه وزوجته مهزوزة، ويدفعه إلى قتلها في الخاتمة التي لا تكتمل إلا بقتل مبارك أيضاً بعدما يأتي ليشمت بالبطلة حالماً أن تتذلل له ليستر عليها فيهينها وينالها في النهاية وذلك كما وسوس له خبثه وحقده، لكنه عندما يراها مقتولة يستدرجه صوته المصدوم ليعترف بينه وبينها بالحقيقة التي يسمعها غانم وهذا ما يجعله قاتلاً لمعلمه "مبارك" أيضاً.

و"مريم" ليست سوى القضية المسرحية كما تعبّر عنها يونس في مقدمتها لمسرحيتها، مؤكدة أنها "مشهد عابر على خشبة القدر"، وتطرحها بفنية ناقدة لعادات السوء وعواقب الظنون لتكون عبرة للتفكير، وحكاية أشبهَ ما تكون بمرآة "نحدق فيها فلا نرى إلا وجوهنا المثقلة بالأسئلة"، داعية إلى الخروج من متاهات الآخرين وأمراضهم النفسية إلى وعي الذات والحياة.

فنية الاختزال

تتدخل المؤلفة بلغة فصحى بين مكانية وزمانية ووصف للمشاهد ومنطوق الشخصيات باللهجة المحلية الإماراتية من حوار نفسي ذاتي ـ مونولوغ، وحوار خارجي ثنائي ـ ديالوغ، لتشبك خيوط النص بضمير الكاتب العالم بكل شيء، وتسلّط المعنى على بطولة المجموعة الظليلة المؤلفة من (5) أشخاص وهمية موزعة إلى ثلاثة رجال وامرأتين، تتحرك بين الكاتبة والشخصيات والمتلقي لتروي وتقترح وتعالج المواقف، مما يجعلها شخصيات تُسقط الضوء على الغائب عن شخصيات النص الأساسية، مما يجعل أصواتها المخفية عن الشخصيات البطلة، الظاهرة للمتلقي، انعكاساً مجسداً لحضور الكاتبة.

ومع بداية كل مشهد تحضر حكمة مكثفة، ومعبّرة عن أحداث المشهد وما يجول فيه من تحركات ونوايا وأفعال، وتنطلق من المشهد الأول مع "احذروا نار الغضب فهي تحرق القلوب قبل أن تمس الوجوه"، وهذه الحكمة التمهيدية تضعنا في حالة استعداد لما سيحدث بين المكان والخلفية الموسيقية وحركة وكلام الأشخاص الوهميين وما يتأجج في أعماق "مبارك" من حسد، ونوايا إبليسية، ومديح للبطلة مريم، وغيرة حارقة يصفها أفراد المجموعة بعبارات ذات مفردات دلالية كثيفة، وإيقاعات جُملية متسارعة، وقافية سجعية متناغمة: "شيطان في عقله تلعب الرياح، فيسمو إلى الأعلى بجناح، ويهوي إلى الأسفل بنواح، لا شمس تطلع فترحمه، ولا ليل يسود فيستره".

وتلعب المجموعة دورها الكاشف عن دواخل الشخصيات، وتضيف لها كشفاً عن الحياة من خلال تركيزها على المعاني السامية للأخلاق والحب، وتعريتها لتفاصيل الشر وموجاته وتداعياته، مثل قولها الشبحي لمبارك: "للحب ميزان آخر لا تعرفه!".

وتظهر البيئة التراثية والمحلية من خلال النص ليس كخلفية مكانية، أو لهجة إماراتية، وإن كان من الأفضل أن تكون اللغة العربية الفصحى هي الوحيدة في النص، بل كتصوير متداخل مع الإنسان من مثل قول مبارك: "كبرت، وكبر عشقي لمريم مثل نخلة متجذرة في أرضي، وحبها الرطب اللي أتريق منه كل صبح وأتعشاه في ليلي، صوتها؟ صوتها النهمة اللي ما أملّ أسمعها، ولا أسمع غيرها في قلبي!".

ومن جهة المدة الزمنية فإنها مناسبة للمتلقي قارئاً ومشاهداً، لماذا؟

لأن المشاهد مختزلة ومشوقة وتضيف تحريكاً للإيقاع الرتيب والحدث الواحد من خلال تماوجات عديدة منها المتناقضات، مثل المقارنة بين الحب والحقد اللذين لا يلتقيان: "المجموعة: الحب ليس ملكاً لقلب حاقد/ ص (22)"، وكذلك التكبّر والغرور واستعباد الآخر عوامل للاستبعاد لا للتقارب والتقرّب، ومنها توظيف الإضاءة والظل، وتوقيت الليل والنهار، وزمنية الأفعال والصور والحالات المونولوغية النفسية للأبطال، وخصوصاً، "غانم" و"مبارك"، وهذا ما يتضح في أغلب المشاهد ومنها المشهد الثاني الذي يغزو فيه الشر قلب مبارك ليحيك التهمة لمريم ويحاول مراودتها عن نفسها ذات ليل فتصده بقوة وتهدده بالصراخ: "لحقوا علي! لحقوا علي يا ناس! لحقوا علي/ ص(33)"، وتهدده بإحراق نفسها بنار القنديل الذي تمسكه، مما يجعله يخاف أخيراً ويبتعد مثل الذئب الذي يخطط لتمزيق النعجة.

ويأتي المشهد الثالث بفرح لأن غانم سيعود مساء بعد رحلة الغوص، والمفاجأة أنه أحضر لزوجته مريم أكبر لؤلؤة (دانة ـ حصباه)، وعندما يسألها عن أي شيء حدث في غيابه، تحاول أن تخبره، لكن بعد أن تهيئ له طعام العشاء، وبينما يذهب للاستحمام يطرق ابن عمها "بدر" الباب وهو في حالة ورطة هندسها له مبارك، كونه مستلفاً منه مبلغاً لم يستطع رده، فضغط عليه متوقعاً أن يلجأ لمريم، وبالفعل تتعاطف معه مريم وتعطيه الدانة مؤكدة: "عيال العم أخوة/ ص(45)"، وهنا، تبدأ حبكة مبارك المتنصت من خلف الجدران على ما يحدث في بيت مريم وغانم بالنضوج، وهنا، تضج أصوات المجموعة الخفية مكررة عنوان النص: "هذا مساء للموت... هذا مساء للموت/ ص(47)".

درامية المونولوغ

وننتقل إلى حالة توتر مرتفع مع المشهد الرابع الذي يطرق فيه "مبارك" باب بيت "غانم" فتفتح مريم، ويستضيفه غانم محيياً معلمه النوخذة العظيم، وتضيء الكاتبة على مونولوغ كل من مريم ومبارك بفنية تتداخل فيها عوامل المكان والزمان والرمزية بإيحاءاتها: "يتوقف الزمن في هذه اللحظة، وتعتم الساحة، وينبثق الدخان الضبابي الذي يخفي كل المعالم، فيختفي "غانم" وكل شيء في المكان، ولا يظهر أمامنا سوى "مبارك" و"مريم" اللذين يتواجهان لنستمع إلى كل منهما يتحدث إلى الآخر وكأنهما جزء من حلم. تتركز الإضاءة عليهما ليظهرا كأنهما يقفان منفردين أمام المتفرجين/ص (51)".

وتظهر من خلال المونولوغ درامية تبادلية بين الشخصيتين تختصران وتعكسان الصراع الداخلي وكأنه محاورة صراعية خارجية صامتة وكاشفة عن خواطر كل منهما، ونواياه إلى أن يظهر المشهد الخامس وتعود الإضاءة لطبيعتها، وترينا مبارك وغانم وحوارهما وكيف يرتّب مبارك الفخ والألغام لغانم إلى أن يقول: "بس الظلم الأكبر من يطير طيرك ويحل في القلب غيرك/ ص(63)"، ويحدد له "مريم" وبالتدريج يشعل في قلبه الطعنات إلى أن يحدد "ولد عمها"، فتهب المجموعة، ويهب غانم واضعاً "يده على سكين معلقة على الجدار ويمسح بيده فوقها" بينما يسترسل فحيح مبارك رغم أن غانم لم يصدقه: "أنا نوخذة وما أجذب، بس أنت اللي تبا تعيش مغمض عيونك عن الحقيقة عسب ترضي عمرك، بس أنا ما أقدر أسكر عيوني عن العيب والحرام!/ص72)".

وتتابع المجموعة كلامها وتنبيهاتها ووصفها بشعرية وحكمة وكشف عن الأحداث اللاحقة، ويتابع النص تشويقه مع المشهد السادس المتمحور حول مريم وغانم وحوارهما الذي يستعيد ذكرياتهما مع الحب وكيف تبادلا النظرات بخجل إلى أن شعر كل منهما بأنه لا بديل عن الآخر لأن القلب هو الحكم، ونخرج من هذا الأثر الرجعي "الفلاشباكي" إلى المشهد السابع الذي يصف كيف تتزين مريم وهي عادة موروثة، وكيف يحاول غانم الخروج من صراعاته الجوانية لعله يستطيع الاقتراب من مريم إلا أن الباب يُطرق، ويأتي مبارك بالدانة (الحصباه) التي أهداها لمريم وبدورها سلّفتها لابن عمها بدر الذي أعطاها لمبارك ليتخلص من السلفة، وهكذا، يخرج مبارك معتداً بشيطانه: "أنا مبارك ولد بو مبارك"، وهنا، تبدأ تفاعلات نزغ الشيطان، فيحاول غانم في المشهد الثامن استنطاق مريم بما يشبه التحقيق إلى أن يضعف تماماً في المشهد الأخير بعد عتاب رومانسي شعري غاضب: "مريم: ليش صاير مثل البحر، تغيب وترد، تسكت وتتكلم، وساعات موجك عالي، وساعات محسور ومتكدر؟ غانم: الموج الليلة عالي، والبحر كله مغتاظ من شي يعوّر قلبه، شي يئن بداخله، يبي يقول بس ما يقدر يحكي، يبي يصيح بس خايف الكل يشوفون دمعته، كنها فضيحة على ويهه، تعرفين كيف يستوي البحر من يخبي الموت في قلبه؟!/ص(104)"

اشتباكات اللغة

اللافت أن لغة "مساء للموت" بأبعادها الشفافة، وشبكتها الشعرية تارة، والحكيمة أخرى، والرومانسية، والواقعية، والوصفية، شكّلت مع العناصر النصية المسرحية الأخرى فضاء جاذباً لمتابعة ما يجول بين الذات وعوالمها، وتفاعلاتها مع محيطها الاجتماعي، وعالمها البيئي البحري، وتحركاتها في العالم النفسي، إلى أن نصل إلى الخاتمة التي تقتل فيها الظنون والشرور مريم، وينال مبارك ما يستحقه من الموت على يد غانم بعدما يعترف أمام جثتها ويموت وهو يهذي باسمها، بينما يتمتع المتلقي بالكثير من التأمل مع مفاتيح المشاهد، مثل: "إنها لحظة الأمان الكاذب قبل أن تنقلب الأرض رأساً على عقب/ ص(85)"، "قتل البراءة جريمة لا ترتكب في لحظة، بل ترتكب ألف مرة بعد انتهائها/ ص(103)".

وتجدر الإشارة إلى أن كتاب "مساء للموت" صادر عام 2025 عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات ومجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، والنص فائز بالمركز الأول في مسابقة التأليف المسرحي، جمعية المسرحيين، الإمارات عام 2001.

التعليقات